مأزق المواجهة
نوفمبر 9, 2023
أزمة منتصف العمر ومسيرتنا مع الله
ديسمبر 7, 2023

التوصّل إلى جذور صنع السّلام: وجهة نظر من المبادرات والمواجهة

بقلم دستن إلينغتون

لقد ألهمني ما رأيته وسمعته في مؤتمر الشّرق الأوسط لهذا العام الذي يركّز على ” سلاَمِي أُعْطِيكُمْ: ممارسات صنع السّلام في الشّرق الأوسط”. كانت المرّة الأولى التي أحضر فيها مؤتمر الشّرق الأوسط. ما وجدته أكثر إلهامًا هو سماع قصص وتفسيرات من عدّة مؤمنين في بيئات متنوّعة يشاركون في العديد من مبادرات صنع السّلام. الكثير من النّاس يخرجون إلى العالم باسم يسوع المسيح لجلب السّلام في أماكن وجودهم.

علاوة على ذلك، وجدت أنّه من المفيد أن المؤتمر قد قدّم مفهوم السّلام الشمولي الذي يتكوّن من مستويات تشمل السّلام الوطني، وبين المجموعات، وبين الأشخاص، والسّلام الداخلي. وكما شاركت شيري إلينغتون في مدوّنة سابقة، فإن “صنع السّلام… الذي يبدأ في أيّ مستوى يمكن أن يؤثّر أيضًا على الموستويات الأخرى، لأنّ الشعوب والمجموعات تتألّف من أشخاص لديهم حياة داخليّة وعلاقات شخصيّة”.

لقد شهدت أيضًا عددًا من طلاب كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة الحاضرين يقولون إنّ الدروس والشّهادات وأمثلة المبادرات كانت ملائمة كثيرًا لسياقاتهم. لقد استلهموا لإجراء محادثات مع الآخرين حول الظروف المعقّدة في حياتهم وخدماتهم، طالبين الحكمة والتّمييز ليسيروا قُدمًا في سبلهم. هذا جعلني أشعر بالفخر بعمل الله من خلال كليّة اللاهوت المعمدانية العربية، وأنّ كليتنا يمكنها عقد مؤتمر على هذا النحو. لم نكن نعرف مدى أهميّة المؤتمر، في ضوء الأحداث العنيفة التي شهدها جنوبنا ابتداءً من 7 أكتوبر/تشرين الأول، أيّ بعد أقل من أسبوعين من اجتماعنا.

وسط شعور بالإلهام والإعجاب بمؤتمر الشّرق الأوسط، لفتني جانبان من المؤتمر جيّدان ومهمّان، لكنّهما جعلاني أتساءل أيضًا عمّا إذا كان يمكن الاستفادة منهما بالمزيد من التفكير: بمصطلح “المبادرات” وطاقة المتحدثين والحاضرين حول “المواجهة”.

من ناحية، فإنّ كلمة “مبادرات” مناسبة لأنّنا سمعنا بالفعل العديد من الأمثلة لأشخاص اتخذوا مبادرات لبدء مجموعات وأنشطة بهدف صنع السّلام بطريقة ما أو بأخرى. لقد خرج المسيحيون العاديون وأحدثوا فرقًا. إنّ كوننا نشطين من أجل السلام، وليس سلبيين، هو أمر يستحق الاحتفاء به، ومثال يحتذى به. لكنني أتساءل أيضًا في بعض الأحيان عمّا إذا كان مصطلح “المبادرات” عبارة عن تسمية خاطئة إلى حدّ ما بالنسبة لصنع السّلام المسيحي، لذا فهو بحاجة إلى توضيح.

كمسيحيين، من المفيد أن نفكر في لاهوت “المبادرات”. إنّ مبادراتنا أشبه بـ “التعاونات”، لأنّ الله هو المبادر الحقيقي. يستطيع الرّسول بولس أن ينظر إلى تجارب الخدمة فيقول: “لَمْ أَنَا بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” (1 كورنثوس 15: 10). نعم، إنّ كلمات يسوع “طوبى لصانعي السّلام” تدعونا وتقوينا للقيام بدور في المبادرات. لكن دعوتنا للقيام بهذا الدور تعكس وجهة نظر كتابيّة أكبر عن الله. عندما أقوم بمسح موجز لكيفيّة حديث الكتاب المقدّس عن السّلام، فإنني أميل إلى رؤية الله وراء الأفعال باعتباره الفاعل الحقيقي، والصانع الحقيقي للسلام. والله الناشط. مهمتنا هي الانضمام إلى عمله.

فيما يلي إشارات جيّدة لمبادرة الله لصنع السلام التي تمّ اقتباسها في مؤتمر الشّرق الأوسط: “سلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سلاَمِي أُعْطِيكُمْ” (يوحنا 14: 27). “وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (فيلبي 4: 7). “لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الِاثْنَيْنِ وَاحِداً، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ” (أفسس 2: 14). “فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ” (أفسس 2: 17). هذه الأمثلة لا تخدش سوى سطح ما يمكن أن نجده إذا بحثنا بصورة أعمق في الكتاب المقدّس.

لا أقصد أن أقول إنّه لا ينبغي لنا أن نتحدّث عن مبادرات السّلام كمسيحيين. أقصد أن أقول إنّها تصوّر الصّورة الكاملة للكتاب المقدّس بصورة أفضل، والإيمان المسيحي بصورة أفضل، إذا أكملنا استخدامنا لمصطلح “مبادرة” وأوضحنا أنّه عندما نشرع في “مبادرة” فإنّنا ندخل ونتعاون مع حركات الله للسّلام. نحن منخرطون في السّلام ومستجيبون للسّلام. الله هو الناشط الحقيقي. عندما سمعت الأمثلة والشهادات في مؤتمر الشّرق الأوسط، شعرت أنّ النّاس قد استجابوا حقًا لعمل الله في صنع السّلام وانضموا إليه.

هذا يأخذنا إلى منحى آخر حيث أتساءل عمّا إذا كان المزيد من التّفكير قد يكون مفيدًا.

في مؤتمر الشرق الأوسط، لمست حماسًا كبيرًا حول موضوع المواجهة بالصّراع كخطوة نحو صنع السّلام. بدا الجمع متأثرًا بصورة واضحة بكلمات يسوع: “وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ” (متّى 18: 15). أدرك أنّ هذه الطّاقة من المحتمل أن تنشأ من رؤية عدم معالجة الصّراع بين الأشخاص وبين المجموعات؛ ولأسباب ثقافية، ثمة ميل لتجنب الصّراع. (لمعرفة المزيد، راجع أحدث مدونة لباسم ملكي هنا).

يبدو أن هذا التّركيز المتجدّد على معالجة الصّراع بالمواجهة كخطوة نحو صنع السّلام له أهميّة كبيرة بالنسبة للمسيحيين في الشّرق الأوسط. ومع ذلك، شعرت بالقلق إلى حدّ ما لأن كلّ الطاقة والحديث تقريبًا بدا وكأنّه يسير في اتجاه واحد. سمعت مرارًا أمثلة عن آخرين في الكنيسة يحتاجون إلى المواجهة. أو أنّ هناك مجموعة أخرى في المجتمع تحتاج إلى المواجهة. لقد كانت هناك طاقة تحيط بحشد الشّجاعة للبدء في المواجهة، وبدا من المفهوم أنّنا إذا تمكّنا من البدء في المواجهة، فسنكون قد خطونا خطوة عظيمة نحو ترسيخ ثقافة أفضل لصنع السلام. قد يكون هذا صحيحًا بالفعل.

ولكن لا يسعني إلّا أن أتساءل عمّا إذا كانت هذه الخطوة الكبيرة قد تؤدّي إلى التّعامل مع نصف المشكلة فقط. لم أسمع الكثير من التشجيع الذي يقول إنّنا بحاجة إلى أن نكون مستعدين لمواجهة إخواننا المسيحيين (أو من الآخرين الذين لديهم شيء مهم ليقولوه لنا). كيف نصبح “الأخ المستمع”، ذلك الشخص الموجود في متّى 18: 15 والذي يمكن بالفعل أن يربحه شخص آخر؟ كيف نصبح من المسيحيين الذين يمكن أن “يربحهم الآخرين”، كما يقول يسوع، عندما نبتعد عن المسار الصحيح؟ تقول مدونة باسم ملكي المذكورة سابقًا أيضًا: “الآن كمسيحيين ناضجين، نحتاج إلى أن نكون من النوع الذي يدعو الآخرين الذين يمكنهم التّحدث في حياتنا… لكلّ مسيحي يستجمع الشجاعة للذهاب والمواجهة بحساسيّة، يجب أن يكون هناك مسيحي ناضج بما فيه الكفاية على الجانب الآخر وعلى استعداد لاستقبال هذا الشّخص.”

لا يمكننا أن نكون دائما المواجهين. من النّاحية الإحصائيّة، من المرجّح أنّنا سنكون نحن من سيواجه نصف الوقت! وفي الصّراعات الحقيقيّة، قد نجد أنّ الذي نواجهه لديه أيضًا مخاوفه الخاصّة والتي نحتاج أيضًا إلى مواجهتها، قبل أن يحدث تقدّم حقيقي. المواجهة تحدث ذهابًا وإيابًا.

كيف سيبدو الأمر عندما نبذل كلّ هذا القدر من الطاقة لمساعدة النّاس على تطوير المهارات والنّمو في الشجاعة تجاه المواجهة بهدوء، بقدر ما نبذله من مهارة في مواجهة الآخرين؟ هل يمكننا أن نتدرّب وندرّب بعضنا البعض لنكون جاهزين لتلقي المواجهة؟

أريد أن أقترح أنّ كلاً من القضايا التي ذكرتها، “مبادراتنا” التي أخطأنا في تسميتها قليلاً، وكذلك الطاقة حول “مواجهة الآخر”، تأخذنا إلى جذور الإيمان المسيحي.

نحن المسيحيين نؤمن بمبادرة الله المحبّة بإرسال يسوع الذي حقّق وسائل الغفران والفداء بدمه المسفوك على الصّليب. لقد كنّا بحاجة إلى هذه المبادرة لأنّنا كنّا (وما زلنا) خطاة. لقد أخذ الله زمام المبادرة لتصحيح العلاقة، متحركًا نحونا بالنّعمة. ونحن بدورنا، كان لدينا التّواضع لنعترف بأنّنا خطاة في حاجة ماسة إلى يسوع.

عندما يحين دورنا لنكون على الجانب الآخر من المواجهة، يمكننا العودة إلى جذور سبب كوننا مسيحيّين في المقام الأول: مبادرة الله الكريمة والفدائيّة تجاهنا، بإرسال يسوع نيابةً عنّا. إنّه الواقع نفسه الذي جعلنا مسيحيين في المقام الأول والذي يمكن أن يساعدنا على أن نصبح أشخاصًا منفتحين على المواجهة. ولأنّنا نؤمن بموت يسوع القوي، أكثر من إيماننا بصوابنا أو براءتنا، فيمكننا أن نكون فضوليّين لاستكشاف كيف ظلمنا شخصًا آخر، ونمنح الإذن للآخرين بالتّحدث عن ذلك، بل حتّى كشفه أمامنا.

في جميع الاحتمالات، لا يمكن لعمليّة المواجهة بين الأفراد وبين المجموعات أن تكون مثمرة إلّا إذا كنّا متواضعين بشأن أنفسنا ووجهات نظرنا الخاصّة. هذا النّوع من التّواضع ينبع من حقيقة موت يسوع من أجلنا. إن تواضعنا بشأن صوابنا (وعدم وجوده) يمكن أن يمنحنا الحريّة في احترام كرامة الآخر بالقدر نفسه الذي نحترم فيه كرامتنا.

ومن خلال إدراكنا لنعمة الله ومبادرته اتجاهنا، يمكننا أن نصبح ذلك النّوع من الأشخاص الذين يجعلون المواجهة أسهل على الآخرين.

في الختام، أقترح أن نكون أكثر وضوحًا في تأطير مبادراتنا لصنع السّلام باعتبارها محاولات للانضمام إلى مبادرة الله المنعمة. إنّه النّاشط الأصيل والحقيقي من أجل السّلام والمصالحة. عملنا هو أن نتعلّم كيف ندرك مبادرات الله ودعواته حتّى نتمكّن من الانضمام إليه. وأقترح، إلى جانب تعلّم المواجهة، أن نستكشف أيضًا كيف يمكننا أن نصبح من ذلك النّوع من الأشخاص، وندرّب الآخرين ليصبحوا من ذلك النوع من الأشخاص، الذين يجعل تواضعهم ونضجهم المسيحي المواجهة أسهل للآخرين.

 

دستن إلينغتون هو أستاذ مشارك في العهد الجديد في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. يستمتع بالتعرّف على الأشخاص الذين يدعوهم اللّه للخدمة ويشجّعهم على التعلّم والنمو.

اترك رد