التوصّل إلى جذور صنع السّلام: وجهة نظر من المبادرات والمواجهة
نوفمبر 23, 2023
الكتاب المقدّس وخدمة الروح القدس لطرد الأرواح الشريرة
ديسمبر 21, 2023

أزمة منتصف العمر ومسيرتنا مع الله

بقلم عبد زين الدين

مع اقتراب نهاية شهر ديسمبر، يقترب أيضًا عيد ميلادي الأربعين، والذي أثار فيّ تأملات حول المستقبل. كشف لذهني حوار حول هذه المحطة المهمة مع أحد الأصدقاء المسيحيين الأكبر سنًا مفهوم أزمة منتصف العمر. وقد شاركني صديقي هذا ببعض تجاربه الشخصية خلال مرحلة أزمة منتصف العمر. لم تكن تلك بالفترة اليسيرة خلال الستة أشهر، ولكن الله رعى بقلبه وجسده وعقله.

سأحاول استكشاف أبعاد هذه الظاهرة، مستفيدًا من التجارب الشخصية والرؤى المشتركة من قبل الآخرين ضمن مجتمع الايمان المسيحي. آمل أن أقترح بعض الرؤى لأولئك الذين لم يواجهوا أزمة منتصف العمر بعد، تأملات لأولئك الذين مروا بها، وتشجيع لأولئك الذين يختبرونها راهنًا. لذلك، إن كنت تقرأ هذه المدونة حاليًا ولم تمر بأزمة منتصف العمر مثلي، فقد يكون من الحكيم الاستفادة من تجارب حياة زملاء مسيحيين للتحضير لما قد يصير مستقبَلا. وقد يقدِّم هذا المقال بالنسبة لأولئك الذين تجاوزوا بالفعل هذه المرحلة تأملًا فكريًا ضمن الرحلة الشخصية. وإذا وجدت نفسك في وسط أزمة منتصف العمر أثناء تصفح هذه المدونة، فأوسع تمنياتي أن يساعدك الله، تمامًا كما أكّد صديقي على قوة الله المستدامة له.

لنقم أولاً بالتطرّق لمفهوم أزمة منتصف العمر، باستكشاف تعريفها، وأسبابها، وأعراضها، ومراحلها. تتميز أزمة منتصف العمر باندفاع عاطفي شديد يحدث عادة بين سن الأربعين والستين، ذلك بالتزامن مع توق عميق للتغيير. وبينما التعامل مع التغيير جزء لا يتجزأ من تجربة الإنسان، إلا أن هذه الفترة تضخِّم من الاحتراق للتغيير. تتميز هذه المرحلة التحولية باهتياج العواطف، واستراتيجيات التكيف غير الملائمة، والتغييرات المسلكية الحادة.

تعريف: يشكك الأشخاص خلال أزمة منتصف العمر في كثير من الأحيان بأهمية إنجازاتهم، وما إذا كان ما حقّقوه ما زال يسهم في إحساسهم بالغرض وحس الانجاز. يمكن أن يظهر هذا التساؤل الداخلي في تغييرات وظيفية مفاجئة، أو إعادة تقييم للعلاقات، أو السعي لهُوايات جديدة. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي الأمر أيضًا إلى سلوكيات متهورة مثل الإنفاق المسرِف و/أو الافراط في شرب الكحول، والذي قد يؤدي بدوره لمشاكل صحية. تنطوي أزمة منتصف العمر جوهريًا على تحول أساسي في تصور الذات والتفاعل مع الحياة.

قد تسهم أسباب وأعراض متنوعة في أزمة منتصف العمر. يتجه التوتر المتعلق بالهُوية والغرض مع تقدمنا في العمر إلى التصاعد والحدّة. يمكن أن تشكِّل الأحداث الحياتية العارمة أيضًا، مثل الطلاق، أو موت شخص عزيز، أو الشعور بالملل، أو التغييرات الحياتية الكبيرة، عوامل محفِّزة لهذه الفترة. تشتمل الأمثلة إدراك لقلّة الرضا عن المسار الوظيفي للفرد، أو الندم لعدم السعي وراء عمل أكثر جدوى ومعنى، أو الاعتراف بالتدهور الجسدي مع تقدم العمر، أو الشعور بعدم الوفاء تجاه العلاقات، أو غياب وجود أهداف مهمة تم تحديدها في وقت سابق من الحياة. وفي حين أن بعض الأفراد قد يظهرون أعراضًا قليلة أو يتصارعون مع المشاعر التي لم يتم حلها، فقد يلجأ البعض الآخر إلى آليات التأقلم التي قد تعرِّض العلاقات أو الشؤون المالية أو الصحة للخطر.

من المهم التنبّه لهذه المسائل الحياتية المتعلقة بأزمة منتصف العمر لأنها تؤثر على رحلتنا الروحية. يمكن أن تؤثر فترة كهذه على علاقة المرء بالله بطريقتين متناقضتين. فمن ناحية، قد يشعر الفرد بالقوة المفرطة، مترددًا حتّى في طلب ارشاد الله، إذ هو مقتنع بقدرته على إدارة كل شيء على نحو مستقل. وعلى العكس من ذلك، فقد يؤدي الشعور باليأس الحاد خلال أزمة منتصف العمر إلى الاعتقاد أن الله نفسه لا يستطيع توفير العزاء. أشار خادم مسيحي، وهو مرشد لي، إنه مرّ بأزمة منتصف العمر، وقد فقد الإيمان بالله مؤقتًا. وعلى الرغم من ذلك، فقد واصل خدمته وكتم كفاحه هذا لنفسه حتى هدأت المرحلة وعبرت بأمان. من الصعب، وبخاصة في ثقافة تتميز بالشرف والعار كثقافتي، أن يشارك أولئك الذين يخدمون صراعاتًهم بشفافية، إذ قد تتضرر سمعتهم، وقد يخشون ترك الخدمة المسيحية في بعض الاحيان. ومع ذلك، فإن السكوت عن هذه الصراعات ليس بالحل السليم؛ وبدلاً من ذلك، فإن الانفتاح على الأصدقاء والموجِّهين والمعالجين المسيحيين الناضجين سيشكّل خطوة أكثر صحة.

اعترف أمامي صديق وخادم مسيحي آخر أنه، وخلال أزمة منتصف العمر، شعر برغبة في استنفاد مدخرات حياته، سواء من الناحية المالية أو العلاقية، مما أثّر على علاقته مع الله وذاته والآخرين. وعلاوة على ذلك، يمكن أن تؤثر الرغبة الجارفة في تغيير الوظائف والخدمات خلال هذه الفترة بصورة كبيرة على دعوته الشخصية، وبخاصة إذا اتُّخِذت قرارات متهورة.

والخبر السار هو أن أزمة منتصف العمر لا تبدأ فقط، بل وتنتهي أيضًا. تتوازى مراحل الحِداد في كثير من الأحيان مع أزمة منتصف العمر، وعادةً ما تبدأ بالإنكار وقد تصل في ذروتها للغضب. يمكن أن تتضمن أزمة منتصف العمر النوستالجيا المستمرة والعودة إلى الماضي والمشاركة في أفعال متهورة. ويمكن أن يؤدي التوتر الناتج لمشاعر من اليأس أو الرغبة في الانعزال. يمكن، ومع مرور الوقت والدعم المناسب من الأحباء، أن تتطور هذه العواطف إلى مرحلة من تقبّل واقع الحال والتصالح معه. يوضح منحنى السعادة المعكوس (على شكل U) أنه على الرغم من انخفاض مستويات السعادة خلال منتصف العمر، تميل العواطف الإيجابية على المدى الطويل إلى الارتفاع مع التقدم في العمر. يُعتبَر كل من زيادة الرضا الذاتي والتفاؤل المتزايد بشأن المستقبل من مؤشرات اقتراب نهاية أزمة منتصف العمر.

تقدِّم أزمة منتصف العمر على الرغم من تحدياتها فرصًا إيجابية. وفقًا لريتشارد رور، يُنظر للنصف الثاني من الحياة غالبًا على أنه تصارع مع الشيخوخة والقلق بشأن الصحة والتخلي عن الجوانب الجسدية للحياة. ومع ذلك، يمكن إعادة تشكيل هذه التجربة كنوع من التساقط الصاعد والمستمر، مما يؤدي إلى اتصال أعمق مع الكيان بجملته، حيث تجد الروح الامتلاء وتتكامل في الرؤية الكبرى. يشدد رور أيضًا على أن الحقيقة غالبًا ما تحمل لحظات من عدم الارتياح والتفكير الداخلي قبل أن يختبر الشخص التحرر.

لا ينبغي السير في رحلة أزمة منتصف العمر بمفردنا. عند العودة إلى تجربة صديقي المسيحي في المقدِّمة، فقد أكد على أهمية الانفتاح للعائلة والزوجة والأطفال كآلية دعم حيوية في رحلته. يمكن لشبكة من الأحباء والمسيحيين الناضجين أن تساعد في تخفيف الطاقة الزائدة والرغبات الشديدة خلال أزمة منتصف العمر، مما يوفر إحساسًا بالمساءلة والتأكيد على وجود مجتمع محب حولك. يكمن الخطر في استيعاب الصراع داخليًا، حيث يمكن للعواطف الحادة أن تتلاعب بك. ولعل الكشف عن الصراع تدريجيًا سيضعف من سطوته.

لا يُفاجَئ المرء عند التأمل من منظور الكتاب المقدَّس لشخصيات مثل موسى وداود وشاول وبطرس وشخصيات كتابية أخرى، والتي تسلط الضوء على صراعاتهم، أن يجد أعراض أزمة منتصف العمر ضمن رحلاتهم الايمانية. يجدر بالذكر أن الملك داود قد يكون مثالًا كتابيًا على شخصية مرّة بهذه الأزمة إلى حد ما. تُسرد القصة المأساوية لداود الذي زنى مع بثشبع في سفر صموئيل الثاني 11:1-12:25. فبعد توالي الانتصارات السياسية (2 صم 1-5) والروحية (2 صم 6-7) والعسكرية (2 صم 8-10)، يقع داود في خطايا الزنا والقتل (2 صم 11)، وبعد ذلك يواجه أزمات مع عائلته (2 صم 12-12:36) ومملكته (2 صم 13:37-24:25). فعلى الرغم من نجاحاته، وفي حين يبدو أنه نسي الله تمامًا، استسلم داود للإحباط والبحث عن الجديد. وفي ذروة نجاحاته، شعر داود بالملل من الانتصار في الحروب، وظل في قصره خلال فترة الحرب، مرسلًا يوآب بدلاً منه. وبينما كان يتوق إلى تجربة جديدة ومثيرة، وجد داود ضالّته أثناء سيره على سطح قصره. وتكملة القصة كارثية!

ومع ذلك، استخدم الله ناثان، الذي استعمل ببراعة وبعناية سرد القصّة الرمزية لمواجهة داود. كان الوقع بمثابة “نداء استيقاظ” (2 صم 12:3). وإن لم يكن هناك ناثان، فلربما كانت نهاية داود مشابهة لنهاية الملك السابق شاول. ولا شك من العواقب الخطيرة اللاحقة لحياة داود وعائلته بسبب خطيئته هذه، ومع ذلك، فقد أثبت ناثان النبي وآخرون أنهم مستشارين موثوقين لداود. دائمًا ما يحتاج المرء للأصدقاء المسيحيين الناضجين والداعمين.

تتعلق أزمة منتصف العمر، وفي صلب تعريفها، بتدهور في ضبط النفس، ويكون الأمر مصحوبًا بعواطف حادّة قد تجعل بمحاولة المسيحي اللجوء لله هباءً. ومع ذلك، التوجه إلى الله أمر أساسي للمسيحيين خلال أزمة منتصف العمر. يمكن أن تكون الأزمة فرصة لإعادة النظر وتقييم وتشكيل حياتنا وفقًا لما تعنيه التلمذة المسيحية. وباستلهام من كلام بولس الوارد في 1 كورنثوس 9:26، فلا بد من التأكيد على ضرورة المثابرة المنضبطة في سباق الحياة، مع الجهاد المستمر ضد الخطيئة، حيث سيحفظ الله المؤمن بنعمته وتوجيهه. يعبِّر جون بيبر، وفي مقابلة بعنوان “كيف أتجاوز أزمة منتصف العمر؟”، عن التزامه بالحفاظ على روح مخافة الله وإيجاد الفرح لسبب إحسان الله ونعمه له. وقد حرص خلال هذه الفترة على الانضباط اليومي بقراءة الكتاب المقدس والصلاة لتصير جزء مِن هُويته، إذ به يطلب حفظ الله له وتشكيله على صورة الله كما يشير الكتاب المقدس.

وفي المحصِّلة، تستحق كلمات رور أن نعيريها انتباهًا: “نمشي قُدُمًّا بطرق لا نفقهها، ومن خلال العمل الصامت للزمن والنعمة… وعندما نصل لوجهتنا، فإذ بنا غير متيقنين ببساطة لكيفية حدوث الأمر، فلا يبدو أن الله مهتمًا لمن يُعزى الفضل لطالما استمر نمونا.”

 

عبد هو أستاذ مساعد في الخدمة الرعوية في كلية اللّاهوت المعمدانيّة العربيّة. وهو عضو في كنيسة الناصري ويستمتع بمشاهدة الأفلام والاستماع إلى الموسيقى والتّنزه.

اترك رد