أزمة منتصف العمر ومسيرتنا مع الله
ديسمبر 7, 2023
مدونة كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة لعيد الميلاد ورأس السنة
يناير 4, 2024

الكتاب المقدّس وخدمة الروح القدس لطرد الأرواح الشريرة

بقلم كيس فان دير كنيف 

اسمحوا لي أن أبدأ باعتراف: في الآونة الأخيرة، شعرت بخيبة أمل عميقة من الكثير من اللاهوت الإنجيلي. لقد وجدت صعوبة حتّى في فتح كتاب لاهوتي والتّركيز عليه. فكيف يمكن أنّه بعد كلّ هذه القرون من التّفسير الكتابي والتّفكير اللاهوتي، لا يزال هناك الكثير من اللاهوت الضّحل؟ كيف يمكن أنّ قراءات الكتاب المقدّس التي تشرّع الكثير من العنف لا تزال منتشرة على نطاق واسع، لا سيّما في العالم الغربي؟ هل نخفق في مهمتنا؟

أثناء التّحضير لفصل دراسي حول عقيدة الرّوح القدس، صادفت فكرة صدمتني. كان تركيز الفصل على العلاقة بين الرّوح والكتاب المقدس. في إحدى القراءات، تناقش إيمي بلانتينغا باو الأدوار المختلفة للرّوح القدس عندما يتعلق الأمر بتفسيرنا للكتاب المقدّس. الدور الأخير للروح القدس الذي تقدّمه والأكثر إثارة للدهشة هو دور طارد الأرواح الشريرة.

الآن، ولأكون صادقًا، لا يأخذ موضوع طرد الأرواح الشريرة حيّزًا من تفكيري اللاهوتي. المفاهيم والممارسات الشعبيّة لطرد الأرواح الشرّيرة محاطة بالعديد من الخصوصيات لذلك أميل لأن أكون متحفظًا للغاية. لكن هذه المرّة، أدهشتني فكرة طرد الأرواح الشريرة وارتباطها بقراءاتنا للكتاب المقدّس على أنّها مفيدة للغاية ومفعمة بالأمل. اسمحوا لي أن أحاول أن أشرح السبّب.

في نصّها، تشير بلانتينغا باو إلى أنّه على الرّغم من التّفكير التفسيري العميق والعمليات التّفسيريّة المناسبة، فإنّ تاريخ التّفسير الكتابي مليء بقراءات الكتاب المقدّس التي تُنتج “ضررًا عميقًا وطويل الأمد”. يبدو أنّ القوى تلعب دورًا يجعلنا، سواء شخصيًا أو جماعيًا، نفسّر الكتاب المقدّس بطرق ليست فقط غير مفيدة، ولكنّها خطيرة للغاية. وتشير إلى قراءات الكتاب المقدّس التي تدعم العبوديّة، وتدعم عدم المساواة بين الجنسين، أو تلهم معاداة السّامية.

إن خدمة الروح القدس لطرد الأرواح الشريرة هي العمل البطيء لفك تشابك الكنيسة عن تفاسير الكتاب المقدّس هذه. إنّها ليست فعاليّة لمرّة واحدة، إنّما نمطًا دراماتيكيًّا من طرد الأرواح الشّريرة. غالبًا ما تكون التّفسيرات الخاطئة للكتاب المقدّس راسخة بعمق، ونتيجة تطوّر امتدّ عبر القرون، وتتعلق بمجموعة كاملة من القرارات التفسيريّة واللاهوتيّة. لا يمكننا أن نتوقّع من التقاليد التّخلص منها جميعًا في آنٍ واحد. هذا من شأنه أن يصيبنا بخيبة الأمل. لكن الحقيقة هي أنّه من خلال عمل الرّوح التّدريجي، تخلصت الكنيسة من بعض هذه التّفسيرات للكتاب المقدّس، بينما ضعّفت تفسيرات أخرى بصورة كبيرة.

إذا لم تكن خدمة الروح القدس لطرد الأرواح الشّريرة عملًا مفاجئًا وعظيمًا، بل عملية بطيئة، فكيف تحدث؟ كيف يمكننا أن نتخلّى عن قراءات الكتاب المقدّس التي كانت منذ فترة طويلة من الزمن؟ وفقًا لبلانتينغا باو، “عادة ما يحدث طرد الأرواح الشّريرة هذا من خلال شبكة الممارسات المجتمعيّة، وليس عبر المآثر الفرديّة للعبقريّة التّفسيريّة. يحدث ذلك من خلال الكلمات النبويّة والتوبة وجهود المصالحة والاهتمام الكبير بالمواهب الرّوحيّة وتمييز الآخرين”. على غرار معظم أعمال الرّوح الأخرى، هذه خدمة وساطة: تتّطلب معارضة من خارج الكنيسة وداخلها، وتتّطلب من الناس طرح أسئلة صعبة، وتتّطلب أشخاصًا يتوبون عن قناعاتهم السّابقة، وتتّطلب كنائس يُسمح فيها بوجود اختلافات في الرّأي دون كسر روابط المحبّة.

قد يكون السّؤال الحاسم هو ما إذا كان ينبغي لنا أن نسمي عمليّة مقاومة التّفسيرات الخاطئة والرّاسخة بعمق للكتاب المقدّس خدمة الروح القدس لطرد الأرواح الشّريرة. يجب أن يركّز تقييمنا على كلا الجزأين: سواء كان هذا هو طرد الأرواح الشّريرة، أو هو عمل الرّوح. في رأيي، فإنّ اختيار بلانتينغا باو لصورة طارد الأرواح الشّريرة قوي للغاية لثلاثة أسباب. أولًا، إنّه يزيد من وعينا بأنّ الشّر يلعب دورًا في استخدام الكنيسة للكتاب المقدّس وتفسيره. بعض قراءات الكتاب المقدّس ليست مجّرد سوء حكم تفسيري، ولكنها تُستخدم لدعم أو تبرير المواقف غير المبرّرة. ثانيًا، تذكّرنا صورة طارد الأرواح الشّريرة بالطبيعة الهيكليّة للشّر. كإنجيلييّن، نميل أحيانًا نحو فهم سطحي للخطيئة، كما لو أنّها تركّز فقط على الفرد وأفعاله الخاطئة المحدّدة. ولكن كما أبرز العديد من اللاهوتيّين على مدى العقود القليلة الماضية، فإنّ الخطيئة والشّر غالبًا ما يكونان مخفيّان في مؤسسات العالم الذي نعيش فيه ووجهات نظره وسلطاته. وهذا يشمل هياكل الكنيسة ولاهوتها وكذلك تفسيرها للكتاب المقدّس. أخيرًا، وليس آخرًا تبرز صورة طارد الأرواح الشريرة أنّ مثل هذه الصور الهيكليّة للخطيئة المتأصّلة بعمق هي الأصعب في التّخلص منها. في مواجهة معارضة كهذه، فإنّ التّفكير اللاهوتي النّقدي مهم، لكنّه ليس دائمًا كافيًا.

هذا هو السبب في أنّ صورة خدمة طرد الأرواح الشريرة  أدهشتني لكونها مفعمة بالأمل. في بعض الأحيان، نواجه تفسيرات للكتاب المقدّس أو نشارك في مناقشات لاهوتيّة تجعلنا نشعر باليأس. لقد شكّل كلا الفريقين آراءهما، وهما غير راغيبين في التّعامل حقًا مع النَقد من الجانب الآخر، وتصلّبا في معارضتهما للآخر. نتساءل عمّا إذا كانت الأمور ستتغير ونبدأ في الشّك فيما إذا كانت مناقشة الآراء الخاطئة منطقيّة. أعتقد أنّنا جميعًا سنكون قادرين على تسمية بعض هذه الموضوعات والمناقشات المتطرفة داخل الكنيسة. إنّها تجعلنا نشعر باليأس في بعض الأحيان. هل يحدث فرقٌ حين نحاول أن نعظ ونعلّم ونكتب لاهوتًا سليمًا وبنّاء؟

هنا تُحدث خدمة الروح القدس في طرد الأرواح الشريرة كلّ الفرق. تمنحنا الأمل في أنّ التّغيير ممكن في نهاية المطاف. سيستغرق الأمر بعض الوقت، لكن الرّوح القدس أثبت أنّه قادر على نقل الكنيسة إلى ما وراء التّفسيرات الخاطئة الأكثر رسوخًا. لن يحدث ذلك بين ليلة وضحاها، ولكنّه سيحدث في نهاية المطاف. وهذا هو السبب في أنّها ليست فكرة مفعمة بالأمل فحسب، بل هي أيضا فكرة تمكينيّة. في هذه الخدمة، يمكن للروح القدس أن يستخدم محاولاتنا الهشّة لتحدي التّفسيرات الخاطئة للكتاب المقدّس، حتّى لو كنّا نحن أنفسنا لا نرى أيّ تغيير. إنّ محاولة الوعظ والتّعليم وكتابة لاهوت سليم وبنّاء يحدث فرقًا.

لكنّها ستكون فكرة مفعمة بالأمل وتمكينيّة فقط تحت شرط واحد مهم: يجب أن ندرج تفسيراتنا الخاصّة للكتاب المقدّس وتفكيرنا اللاهوتي ضمن التفسيرات الخاضعة لعمل الرّوح القدس المطهّر. خلاف ذلك، ستكون هذه مجرد أداة أخرى لشيطنة الآخرين وأفكارهم. ما لم نكن على استعداد للاعتراف بأنّ تفكيرنا مؤقت، وأنّ قراءتنا للكتاب المقدّس تتأثّر بعمق بهياكل التّفكير الملوّثة بالخطيئة، فمن الأفضل أن نتخلّص من الفكرة على الفور. فقط اللاهوت المتواضع يمكنه أن يتلقّى هذه الخدمة من الرّوح القدس بامتنان، متطلعًا إلى اليوم الذي سيتّم فيه تطهير تفكيرنا وصقله، حتّى لو كان ذلك قد يكون اختبارًا مؤلمًا. قد يكون من المفيد أن نذكّر أنفسنا بانتظام بكلمات اللاهوتي الأمريكي أ. ج. سوبودا: “كلّ اللاهوت الأرضي يتحضّر أساسًا للإحراج” (After Doubt، الفصل 2). بهذه العقلية، يمكننا أن نصلّي بصدق: تعال أيّها الروح القدس!

الفصل الذي كتبته بلانتينغا باو في كتاب دايفد ه. جنسينThe Lord and Giver of Life: Perspectives on Constructive Pneumatology (لويزفيل: جون نوكس، 2008).

كيس فان دير كنيف يدرّس في مجالي اللاهوت النّظامي والتّاريخي. هو هولندي الأصل، ويعيش مع عائلته في لبنان.

اترك رد