مدونة كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة لعيد الميلاد ورأس السنة
يناير 4, 2024
أنتكيّف أم لا: العيش والتدريس في ظلّ التّوتر الراهن في الشّرق الأوسط
فبراير 15, 2024

افتداء الفن لمجد الله

بقلم ليديا قليني

“إن فنون الرقصِ تعكسُ حركةَ اللهِ، التي تعلو بنا مُحرِّكةً إيانا على الأرضِ. أما فنون الدراما فهي تفترض مسبقًا أن هناك مسرحية مقدسة بين الله والإنسان. الفنون الكلامية هي أنشودة تسبيح يتمثَّلُ فيها الإله السرمدي وأعماله. وخطوط المدينة التي أتقن الله بناءها في خليقته تتكشف لنا في فنون العمارة. أما الموسيقى فهي صدى المجد الأبدي.”[1]

في خضم الاضطرابات الراهنة التي يعانيها عالمنا، يلجأ الكثير من النّاس إلى أشكال الفنون المختلفة للتعبير عن أصواتهم، ولا سيّما صوت الحريّة. غير أنّه في سياق الشّرق الأوسط ثمة تخوّف من تشابك الفن مع ما يتعلّق بالدين، والإيمان، وبالتّالي الله. خلال خدمتي بين الشبيبة في كنيستي في مصر، كان الشبيبة يطرحون أحيانا استفسارات، ويتساءلون عمّا إذا كان سماع الأغاني حلالًا أم حرامًا؟ يفكرون في توافق الفن مع الإيمان، والقداسة، ويناقشون مدى ملاءمة وضع الصّور داخل كنائسنا البروتستانتيّة، بالإضافة إلى طرح العديد من أسئلة أخرى مماثلة.

في السّطور القادمة، سأستكشف إمكانيّة أن يكون الفن قوّةً في افتداء الخليقة، من خلال دراسة وجهات النّظر اللاهوتيّة التي تشير إلى أنّ الفن يمكن أن يرتقي لتمجيد الله – وهي نتيجة لا يمكن تحقيقها إلّا من خلال قوّة الرّوح القدس المغيّرة.

في تحليله للمبادئ الكالفينيّة تجاه استخدام الفن[2] – ولكن ليس إساءة استخدامه (الذي احتج عليه جون كالفن) – ينظر أبراهام كايبر في الاستخدامات المقدّسة للفن. رأت الكالفينيّة أنّ الفنّ نشأ بالرّوح القدس وهو بمثابة وسيلة للرّاحة في حياتنا الحاليّة، ما يمكنّنا من رؤية حقيقة أوسع وأكثر مجدًا خارج الوجود البشري الخاطئ. المبدأ الكالفيني القائل بأنّ “كلّ الحياة يجب أن تُفتدى” ينصّ على أنّ “كلّ الحياة” – بما في ذلك الكنيسة والعائلة والفن والعلم، وغيرهم – هي تحت سيادة الله. بكلمات أخرى، ليست الكنيسة وحدها ولا الجوانب الروحيّة للحياة فقط هي التي تخضع لـ”ملكوت الله.” وبذلك، فبالنسبة للفن، إنّ فداء الله يستردّ الفنّ إلى الهدف الأوّل لوجوده، وهو إعلان مجد الله. يميّز كايبر بين أدوار أقانيم الله الثلاثة (الآب والابن والرّوح القدس) في شرحه للعطايا والمواهب. وفقًا لتفسيره، تأتي العطايا والمواهب من الآب، ويّتم منحها لكلّ شخص بالابن، وتشعّ في كلّ إنسان من فوق من خلال الرّوح القدس[3]. لذلك، فإنّ الهدف النّهائي للرّوح القدس هو “قيادة الخليقة كلّها إلى مصيرها، والغاية النّهائيّة منه وهو مجد الله.”[4]

تأتي الهبات والمواهب من الآب، وتُرتَّب لكل شخص بواسطة الابن، وتتأجَّج في كل إنسان من فوق من خلال الروح القدس.

تلعب الفنون البّصريّة، على سبيل المثال، دورًا مهمًا في نقل الرّسائل وممارسة تأثير كبير على عملية الاتصال المرئي. يمكن تشبيه أهميّة مشاركتهم في قيادة حركات التّغيير، المتجذّرة بعمق في المجتمع، بالنّار التي يشعلها الرّوح القدس. يحدث هذا الاشتعال من خلال اتحاد القوّة التي يمنحها الرّوح القدس لأفكار الفنانين وأصابعهم، حيث يتعاملون مع مواد مثل الفُرَش والألوان على قماش أبيض فارغ. الجمال الذي نلاحظه في أشكال مختلفة من الفن، وليس فقط البّصريّة، يخلق صلة بين العمل الفني والنّاس. هذا الجمال لا يتولّد فقط من مهارة الفنان أو فكره ولكن من خلال روح الخالق. هذا لأنّ دور الله كخالق لكلّ ما هو حسن، إلى جانب سيادة الله، يتناقض مع إمكانيّة أن يخلق الشّيطان شيئًا جميلا من تلقاء نفسه. حتّى الإنسان لا يستطيع أن يخلق الجمال دون أن يكون مخلوقًا على صورة الفنّان الأصلي.[5] من خلال الرّوح القدس، يمكن للإنسان أن يستخدم ويخلق ما أتاحه له الخالق. يعمل الرّوح القدس في الخليقة، ويجدّدها باستخدام الإمكانات التي يضعها في كلّ من الأشخاص الموهوبين والمواد والوسائط الفنية، معلنين معًا الجمال الذي يمكن صنعه، وممجدّين الخالق الأصلي.[6]

اعتبرت حركة نيو-كالفينيزم، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أنّ الفن هو تجلي لحضور الله في ملكوته، وأنه لا يوجد انفصال بين الطبيعة ونعمة الله العامة التي تعمل على التّحدث عن الجمال الذي صنعه الله. يقدّم الفن ومضات نبويّة لأورشاليم الجديدة، “وميض مبدئي” لما هو آتٍ. لذلك، قد يجعلنا الفن نشعرُ بالحنينِ للجمال.[7] كان قصد الله المُعلَن لآدم في سِفر التكوين ١٥:٢ هو “اخَذَ الرَّبُّ الالَهُ ادَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا.” تتحدّث هذه الآية عن التّفويض الثقافي الوارد في دعوة البشر على الأرض. بغية تحقيق قصد الله للبشر، على الإنسان أوّلًا أن يتصالح مع الأرض، ويحبّها، ويخضع كلّ قدراته للحفاظ على جمالها. بالنسبة للفنان، فإن مهمته مرتبطة بـ”قصّة الخلق المادية والأرضية هذه التي يسردها الكتاب المقدّس،”[8] ليكشف للبشريّة جمال الله ومجده في هذا العالم وتحويل البشريّة إلى مثاله وصورته الحقيقيّة.

هناك أصوات أخرى ترى أنّ الفن لديه القدرة على المساهمة في فداء الخليقة، ويعمل في نهاية المطاف على تمجيد الله. فعلى سبيل المثال، يسلّط تريفور هارت الضّوء على التّشابه بين العمل الإبداعي وصرخة يسوع في غلاطية ٦:٤ “أَبَا الآبُ”. يعتبر هارت العمل الفنّي الإبداعي المسؤول صدى لهذه الصّرخة الديناميكيّة إلى الآب، لأنّه، بالرّوح القدس، يمكن للفنان أن يشارك في تحريك الخليقة نحو غايتها الحقيقيّة، وهي تمجيد الله.[9] وهكذا، فإنّ النّعمة والامتياز الممنوح للفنانين هو أنّ الرّوح القدس يُنشط إبداعهم من أجل الاحتفال بالأسرار الخالدة للكون وخالقه. خلال هذا الإعلان، ينضّم الفنانون إلى المسيح في نداءه “أبا، الآب!” تضامنّا مع صرخته من أجل ارتباط دائم بالله. البشر قادرون على العمل كفنانين داخل الخليقة من خلال القيام بفن مُلهِمه الروح، بالمثل كما يفعل المسيح إذ يستخدم فنه المبدع في تحويل بشريتنا وتوجيهها إلى مجد الآب. وبذلك، ينضّم الفنانون إلى المسيح في تعبيره “أبا، الآب!” في وحدة مع اشتياقه إلى علاقة دائمة مع الله. لذلك، فمن الممكن أن يكون عمل الفنان ماديًا وروحيًّا على حدٍّ سواء.[10]

في الختام، على الرّغم من أنّ الكون بأسره في جوهره مستمد من مشيئة الله ويُعتبر قطعة فنيّة له، فإنّ عالم الجمال، كخليقة الله، يساء معاملته باستمرار بسبب الخطيئة البشريّة. يشارك المجتمع الثّالوثي في خلق الفن ومنحه لهذا العالم، ويطلب من الموهوبين الحفاظ على ما أعطي للبشريّة وتطويره. يعمل الرّوح القدس على تمكين كلّ من الخامات الفنية كما الفنانين، ما يؤدي إلى إنشاء أعمال فنيّة تعكس حضور الله في العالم. يعترف هذا المنظور الشّامل بدور النّعمة العامة، التي تمتد إلى كل البشريّة، في تسليط الضوء على الجمال والقداسة المتأصّلنين في التّعبير الفنّي، سواء كان علمانيًّا أو دينيًّا. وهكذا، يمكننا أن ندرك هذه النماذج من الفن على أن لها لمسةً من الروح القدس، كاشفةً عن معنى أشمل لفداء المسيح. يتحدّى هذا الفهم الأفكار التّقليديّة لما هو حلالًا أو حرامًا في الفن، ما يدفعنا إلى النّظر إلى جميع المساعي الإبداعيّة كتجليَّات لقوّة الله الخلّاقة. بدلًا من رؤية أشكال معيّنة من الفن على أنّها تتعارض مع التّعاليم الدينيّة – تحت تأثير تراثنا البروتستانتي لتحطيم الأيقونات الذي يُقيّد تقديرنا لإبداع الله في جعل البشرية بمثابة eikon، تمثيلات مصغرة من نفسه – يمكننا أن نرى الفن كفرصة للاحتفال بجمال وتنوّع خليقة الله.

ليديا قليني باحثة مصريّة، تعمل كأستاذة مساعدة في قسم العهد الجديد في كليّة اللّاهوت المعمدانيّة العربيّة. وهي مهتمّة باللّاهوت والفنون، مع التّركيز على التّفسير البّصري لروايات الإنجيل.

 

[1] Richard Viladesau, Theological Aesthetics: God in Imagination, Beauty, and Art (New York: Oxford University Press, 1999), 27.

[2]  Abraham Kuyper, Lectures on Calvinism (Grand Rapids, Michigan: WM. B. Eerdmans Publishing company, 1931), 152.

[3]  Abraham Kuyper, The Work of the Holy Spirit, trans. John Hendrik de Vries (Grand Rapids, Michigan: WM. B. Eerdmans Publishing company, 1946), 39.

[4] Kuyper, The Work of the Holy Spirit, 22.

[5]  Kuyper, Lectures on Calvinism, 155.

[6] Steve Bishop, “Abraham Kuyper’s Nascent Views on Art,” November 1, 2019.

[7] Steve Bishop, “Abraham Kuyper’s Nascent Views on Art.

[8] See William A Dyrness, Visual Faith: Art, Theology, and Worship in Dialogue (Baker Academic, 2001).

[9] Dyrness, Visual Faith, 91-4.

[10] Dyrness, Visual Faith, 93.

اترك رد