افتداء الفن لمجد الله
فبراير 1, 2024
كتبٌ شكّلتني: تأمّلات شخصيّة
فبراير 29, 2024

أنتكيّف أم لا: العيش والتدريس في ظلّ التّوتر الراهن في الشّرق الأوسط

بقلم عماد بطرس

إنّ العيش والتّدريس في الشّرق الأوسط في السّنوات القليلة الماضية يثير تحدي التّكيّف المستمر مع الاضطرابات التي لا تبرح المنطقة. في كلّ مرّة نحاول فيها “التّكيّف” مع واقع جديد ناتج عن عدم الاستقرار، يحدث تطوّر جديد: على سبيل المثال، الحرب الراهنة بين إسرائيل وفلسطين، وانعكاساتها على لبنان.

في بعض الأحيان قد أقاوم التّكيّف لأنّني غاضب من أولئك الذين يجبروننا على العيش في ظروف صعبة كهذه. لماذا يجب أن يتحكّم قرار شخص أو مجموعة أو حزب بحياتي الخاصّة؟ هنا أقاوم التأقلم مع الظلم والدمار والفساد … وسمّيه ما شئت.

والواقع أنّ كلّ هذه الأحداث تخلق شعورًا بعدم الاستقرار.

كمدرّسين، يمكن لهذا الشعور بعدم الاستقرار أن يشلّ قدرة المرء على مختلف المستويات. قد نختبر أعراض النضوب والإجهاد والإرهاق والحزن. الإجهاد على سبيل المثال، قد يقلّل من مستوى الأداء وقد يؤدّي إلى موقف سلبي. كما نرى، فإنّ الاستقرار العاطفي والعقلي للمدرّس في خطر.

علاوة على ذلك، كمدرّسين في كلية اللاهوت، نحن مدعوون لتطوير موارد مكتوبة للكنيسة في المنطقة. كما نعلم جميعًا، تتطلب الكتابة عقلًا صافيًا وإحساسًا بالاستقرار. تحتاج إلى الكثير من الدّراسة والتّركيز. إنّ فقدان البيئة المواتية يمكن أن يقلّل من إنتاجيّة المرء. إنّ العيش في خضم الاضطرابات والحروب يستنفذ الكثير من طاقتنا العقليّة والعاطفيّة والجسديّة.

تخلق الاضطرابات أيضًا وقائع جديدة على الأرض وتثير أنواعًا جديدة من الأسئلة نطرحها على النّص الكتابي. تتطلّب هذه الأسئلة الجديدة عمليّة مستمرة من تعديل محتوى مقرّراتنا لتلبية احتياجات الكنيسة. يصبح مثلًا تطوير لاهوت الأرض أولويّة لأنني على وشك تدريس الأسفار التاريخيّة في العهد القديم في ضوء الصّراع المستمر بين إسرائيل وفلسطين.

ماذا عن طلابنا؟

نحن نعدّ الجيل القادم من قادة الكنيسة في الشّرق الأوسط. هؤلاء القادة يعيشون في مناطق الحرب أو يأتون منها. لا يمكننا تجاهل تأثير الحرب على هؤلاء الطلاب: بعضهم مصاب بصدمات نفسيّة، بينما يكافح آخرون لخلق بيئة تعليميّة لائقة. هذا يجعل مهمّتنا أكثر صعوبة لأننا بحاجة إلى أن نكون مصدر تشجيع لهؤلاء الطلاب وهم يواصلون حياتهم وخدمتهم.

نحن نعيش في توتّر، بين العيش برجاء ومواجهة وقائع الحياة اليوميّة في الشرق الأوسط.

يبدو أنّنا نعيش معاناة إرميا، وكذلك ضغوطات المجتمع المسبي كما جاء في إرميا 29: 1-14. ما يثير الدهشة في هذه الآيات هو التعليم حول التأقلم. بعبارة أخرى، يطلب إرميا من النّاس التّكيّف مع الواقع الجديد في بابل والصّلاة من أجل المدينة.

فيما نعيد النّظر إلى مكاننا في خطّة الله، يمكننا أن نسمع إرميا يدعو النّاس للتّكيّف مع الاهتمام بالعائلة (آية 5، 6)، والتّكيّف مع طلب سلام المدينة (آية 7)، والتّكيّف برجاء (آية 10)، والتّكيّف مع الثقة في خطط الله للسلام (آية 11)، والتّكيّف أثناء طلب الله من كل قلوبهم (آية 13).

الّتكيّف كخضوع لعمل الله. يبدو أنّ إرميا يطلب من شعب الله الخضوع المؤقت لظروفهم الراهنة، كخضوع مباشر لعمل الله. يبدو أننّا نعيش في لحظة حرجة في التّاريخ، حيث نعبر الجسر من حقبة قديمة نحو حقبة جديدة. إذا كان الأمر كذلك، يجب أن نتكيّف مع ظروفنا المؤقتة كخضوع لعمل الله.

في بعض الأحيان، قد نحتاج إلى قبول الواقع من يد الله. العيش في السبي هو العيش وفقًا لخطة الله. هذا يعني قبول العيش في ظلّ الألم بسبب أيدي الظالمين الثقيلة علينا. ومع ذلك، لن يكون من الضّروري دائمًا التّكيّف، لأنّ زمن الأشخاص الذين في السّلطة سينتهي يومًا ما.

التّكيّف لا يعني القبول. بل يعني أن نعيد تنظيم أنفسنا في مكاننا الجديد في تدبير الله في ضوء الظروف المؤقتة الجديدة. إذا رأينا أنفسنا كضحايا، فقد يعيقنا ذلك من المرور بعمليّة فحص ذاتي من شأنه أن يحول دون إعادة عيش الموقف نفسه في المستقبل. إذا طرحنا الأسئلة البلاغية للمسبيين، مثل “لماذا نحن هنا؟”، فقد تساعدنا الإجابة عليه على عدم التّواجد في هذا الموقف مرّة أخرى. لذلك، يجب أن نقرأ العلامات بعناية من خلال الصّلاة لإعادة النّظر في مكاننا في تدبير الله في لحظة حرجة من التّاريخ كهذه التي نمرّ بها.

الّتكيّف مع الصّلاة والعمل من أجل سلام المدينة. بالطبع، أنا لا أعيش في السبي. لكنني أعيش في بلد ليس مسقط رأسي. وفي خضم ذلك، فإنني أسعى وأعمل من أجل سلام هذا البلد، لبنان. في السّنوات القليلة الماضية، مرّ لبنان بالكثير، وكذلك المنطقة بأسرها. أحد مخاوفي هو فقدان الحريّة التي نتمتع بها هنا في لبنان، والتي قد تؤثر على المنطقة كلّها. هذا يجعلني أسأل: كيف يمكنني / يمكننا العمل جنبًا إلى جنب مع الآخرين لمواصلة التّمتع بهذه الحريّة؟ ليس لدي إجابة حتّى الآن، لكنّني سأستمر في طرح السّؤال عينه!

سنستمر في العيش في توتر، ونتساءل متى نتكيّف ومتى لا نتكيّف. قد يؤدي التّعايش مع هذا التوتر إلى خلق القدرة على الصمود: أي القدرة على السّعي/العمل في مواجهة الأزمات المستمرة الشديدة. من خلال الصمود، يمكنّني الله من مواصلة خدمتي التّعليميّة مع الحفاظ على صحّة عقليّة وعاطفيّة وجسديّة مستقرة نسبيًا.

إن مستوى رجائنا القائم على الوعود الكتابيّة يرفع من صمودنا. يساعدنا الدّعم من العائلة والأصدقاء والزملاء على مواصلة المسيرة. إنّ محبّة طلابنا، والتزامنا بدعوة الله في حياتنا، والشعور بالرضى في مكان العمل، والدّعم الذي نتلقاه من القادة، يقوّي قلوبنا للمضي قدمًا. وأخيرًا، فإنّ فهمًا أفضل من العالم الغربي لواقع الحياة في الشّرق الأوسط يمكن أن يحدّ بصورة كبيرة من مستويات التوتر لدى أشخاص مثلي مرتبطين بكلا العالمين. يتطلب الأمر كلّ ما سبق، وأكثر، للعيش في صراع معرفة متى وكيف نتكيّف مع التّحديات المستمرة في الشّرق الأوسط.

عماد بطرس أستاذ مساعد في العهد القديم في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

اترك رد