أنتكيّف أم لا: العيش والتدريس في ظلّ التّوتر الراهن في الشّرق الأوسط
فبراير 15, 2024
التأمل في الانقسام والوحدة داخل لبنان وخارجه
مارس 14, 2024

كتبٌ شكّلتني: تأمّلات شخصيّة

بقلم إيلي حدّاد

ما لا شكّ فيه أنّه ليس من كتاب ساهم في تشكيل حياتي على غرار ما فعل الكتاب المقدس، كلمة الله المكتوبة. ليس من منافس. ومع ذلك، يستخدم الله أيضًا العديد من الكتب الروحية واللاهوتية الأخرى لتعميق فهمي له ولكلمته، ولتحدي تصوراتي المسبقة، ولتحفيزي على العمل بموجبها. تساعد هذه الكتب في تشكيل تفكيري وممارستي. وأنا أفكّر في هذا الأمر على النحو التالي، تمامًا كما يستخدم الله العديد من الرجال والنساء الذين نعرفهم للتأثير على مسيرتنا معه، من خلال الكتب أيضًا، يستخدم رجالًا ونساء لا نعرفهم ولم نلتق بهم أبدًا لتشكيل إيماننا.

إن ما ألهمني لكتابة هذه التأملات هو وفاة هنري بلاكابي آنفًا هذا الشهر. أصبح كتابه “الحياة مع الله: معرفة مشيئة الله والعمل بها”، الذي كتبه عام 1990، أداة تلمذة بارزة بين الكنائس ومجموعات التلمذة لعقود عديدة. بيع منه ثمانية ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وتُرجم إلى العديد من اللغات من بينها العربيّة. وبدون أن يعرفني شخصيًا، شكّل هنري دعوتي للخدمة والطاعة في حياتي. ربّما لم أكن لأكون حيث أنا اليوم لولا وجوده. عندما كنت أنا وزوجتي نقود مجموعات التلمذة باستخدام كتاب هنري “الحياة مع الله”، استخدم الله الكتاب وزملائي التلاميذ ليرشدونا عندما كنّا على وشك مواجهة قرّارات حياتية كبرى. وقد حصل ذلك عدّة مرّات.

في نهاية إحدى مجموعات التلمذة من كتاب “الحياة مع الله”، انتهى بي الأمر في صفوف كلية اللاهوت. كنت في عالم الشركات في كندا ولم أفكّر أبدًا في دراسة اللاهوت. كان هذا القرار، في منتصف الأربعينيات من عمري، بمثابة تحوّل كبير في مسار حياتي. وفي نهاية مجموعة أخرى من الحياة مع الله بعد خمس سنوات، انتهى بنا الأمر أنا وزوجتي بالعودة إلى لبنان. كان ذلك تحولًا كبيرًا آخر في مسار حياتي وخدمتي.

أجد أنه من المثير للاهتمام أن الله استخدم مادة بلاكابي لإعدادي لاتخاذ قرارات كبيرة. إنّها لا تحتوي على مفاهيم لاهوتية معقّدة، لكنّها رائعة في بساطتها ومباشرتها بطريقة تحفّز على الاستجابة. إليكم مثال على ذلك: “كلمتان في لغة المسيحي لا يمكن أن تجتمعا معًا: ’لا، يا رب’. إذا قلت ’لا’، فهو ليس ربّك. إذا كان هو ربّك، فإن إجابتك يجب أن تكون دائمًا ’نعم’.” كان لدى بلاكابي موهبة تسليط الضوء على المبادئ البسيطة ووضعها نصب عيني القارئ مباشرة وطرح السؤال: ماذا ستفعل حيال هذا؟ ومن المفاهيم الأخرى المفضّلة لدي: “يمكن أن يفعل الله أيّ أمرٍ يشاءه من خلال شخص عادي مكرّس له بالكامل.” هذه مبادئ بسيطة ولكنّها عميقة ظلّت عالقة في ذهني.

كتاب بلاكابي مكتوب لعامّة الناس. لا يحتاج المرء أن يكون لاهوتيًا متطورًا حتّى يستخدمه الله بطرق فعّالة. يمكن لله أن يستخدم الإيمان البسيط. ويمكن لله أن يستخدم الإيمان العميق والفضولي أيضًا. هذه هي طبيعة الله العجيبة، ليس لعظمته استقصاء. بغضّ النظر عن مدى عمقنا أو تطورنا، فليس هناك نهاية لاستكشاف أعماق الله. أعتقد أنّنا سنقضي الأبدية بهذه الطريقة، لأنّ الأمر يستغرق أبدية حتّى يتمكّن العقل المحدود من فهم أعماق كائن لا متناهٍ.

في بداية مسيرتي الإيمانيّة، استخدم الله العديد من الكتب التأمليّة لتشكيل حياتي، ثم انتقلت ببطء إلى الكتب اللاهوتية. في الوقت الحالي، أواجه تحديًا من كتاب مايكل جورمان “سكنى الإله الذي أخذ شكل الصليب: الإخلاء والتبرير والتأله في سردية لاهوت الخلاص لبولس”. كما هو الحال مع “الحياة مع الله”، فإنّ قراءة هذا الكتاب هي تجربة أخرى تغيّر حياتي، ليس بسبب النظريات المقدّمة ولكن بسبب انعكاسات هذه النظريات على حياتي.

يقدّم جورمان حجّة مفادها أنّ ليس يسوع فقط على شكل الصليب، بل الله على شكل الصليب أيضًا. الله هو الإله الذي يبذل نفسه في طبيعته. لقد اعتدنا أن نفهم رسالة فيلبي 2 على أنّها تعني أنّه على الرغم من كون يسوع هو الله، إلّا أنّه أخلى نفسه. يجادل جورمان بأنّ يسوع أخلى نفسه لأنّه الله. وحقيقة تمجيد يسوع ليست إعادة إلى حالته السابقة بقدر ما “تشير إلى أنّ الله قد برّر علانية واعترف بأنّ يسوع قد أخلى نفسه ووضع نفسه كتعبير ظاهر لألوهيته الحقيقية التي كان عليها، ما يجعل عبادة يسوع ربًا… عبادة حقّة بالكامل.”

أعتبر هذا الأمر استكشافًا رائعًا لطبيعة الله. وكما هو متوقع، يتّفق بعض اللاهوتيين مع معالجة جورمان للموضوع، ويتساءل آخرون عن كيفية التوفيق بين الله الذي شكله شكل الصليب وبين سموّه وسيادته. وهذا ليس استكشافا عديم الأهميّة. إذا كان الصليب محوريًا في فهم طبيعة الله، فتخيّلوا معي انعكاسات هذا المفهوم على حياتنا وممارساتنا. المجال الأوّل الذي يتبادر إلى ذهني، والذي يحظى باهتمام كبير بالنسبة لي، هو السلطة.

في المفهوم التقليدي، غالبًا ما ترتبط السلطة بالهيمنة والسيطرة والقدرة على فرض إرادة الفرد على أفرادٍ آخرين. غير أنّ كون الله على شكل الصليب يتحدّى هذا المفهوم من خلال تقديم نموذج مختلف للسلطة – نموذج يتميّز بالمحبّة والتواضع والخدمة المضحية.

لقد اعتدت على التفكير في إخلاء يسوع لنفسه باعتباره عملاً منفعيًا لإنجاز عمل الفداء الذي استعاد بعده المجد. ولكن، إذا كان إخلاء النفس وبذل الذات هو التمثيل الحقيقي لطبيعة الله، فإنّ فهمي التقليدي للسلطة سيتزعزع بالتالي.

من خلال التركيز على الصليب باعتباره التعبير المطلق لسلطة الله، يجادل لاهوتيون مثل جورمان وفولف ومولتمان بأنّ السلطة الحقيقيّة ليست في السيطرة ولكن في قبول الاستضعاف والمحبّة. يدعو هذا المفهوم إلى التشكيك في الطرق التي يتم بها ممارسة السلطة في مجتمعاتنا، بما في ذلك في كنائسنا، ويتحدّانا لإعادة تقييم فهمنا للسلطة في ضوء المثال يسوع المصلوب.

وماذا عن الانعكاسات المترّتبة على القيادة؟ قد يقود القادة المشكّلون بالصليب بعقلية السلطة معًا بدلاً من السلطة على، ويسعون إلى تمكين الآخرين ورفعهم بدلاً من السيطرة عليهم أو التلاعب بهم. يمكن أن يؤدّي التشكيل بالصليب إلى تأثيرعميق على القيادة من خلال تشكيل قيم القائد وأفعاله وعلاقاته. قد يسعى القادة الذين يجسّدون الصليب إلى تشكيل أنفسهم والأشخاص الذين يقودونهم، ومواءمة أفعالهم وقيمهم مع أفعال الصليب، والتي يمكن أن تشمل مبادئ مثل المحبّة والغفران والفداء. يمكن للقيادة المشكّلة بالصليب أن تمنح إحساسًا أعمق بهدف القيادة ومغزاها. قد يرى القادة أنّ دورهم ليس مجرد تحقيق الأهداف، بل أيضًا المشاركة في قصّة أكبر وأكثر عمقًا تتمحور حول الخلاص وخدمة الآخرين.

نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ الكنائس تعمل بصورة أفضل من موقع السلطة. لقد أجريت محادثة مؤخرًا مع صديق لي، وهو خبير في مجال المناصرة. كنّا نتحدّث عن ضرورة تأهيل الكنيسة في هذا المجال. لكن كيف تدافع عن الضعفاء والمهمشين دون تشكيل تحالفات (السلطة) ومناشدة هياكل السلطة؟ إنّ وجهات نظرنا لفهم العالم والهياكل المقبولة تتمحور حول السلطة. كيف يمكننا أن نبدأ بالتفكير من خلال الهياكل المشكّلة بالصليب؟ هذا التمييز يعطيني الكثير من القضايا لأفكّر فيها.

الهدف من هذه التأمّلات ليس حلّ كلّ هذه التعقيدات ولكن تسليط الضوء على أهمية الكتب وكيف يمكن أن تشكّل حياتنا. أشكر الله على العديد من الرجال والنساء الذين يستخدمهم لحثّنا على أن نعيش حياة هادفة وأمينة ومطيعة. حياتي أصبحت أكثر ثراءً بسببهم.

إيلي حدّاد هو رئيس كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وهو يستكشف بجدية كيف يمكنه القيادة باتباع مثال يسوع المصلوب.

اترك رد