كتبٌ شكّلتني: تأمّلات شخصيّة
فبراير 29, 2024
قوّة الليتورجيا: نحو فهم أعمق للاحتفال بعيد القيامة
مارس 28, 2024

التأمل في الانقسام والوحدة داخل لبنان وخارجه

بقلم للوة المعلوف

لا يزال لبنان دولة فاشلة، و لا يزال الله يذكّرنا بأنّه ثمّة أمل. لا تهدف هذه المدوّنة إلى تقديم بأفكار جديدة، بل بالأحرى تأملات حول كيف يمكن أن يستخدم لله دائمًا كنيسته لأجل تحقيق أهدافه، وكيف تقود الكنيسة المتّحدة آخرين إلى معرفته.

لا يزال لبنان بلا رئيس للجمهورية. منصب رئيس الجمهوريّة شاغر في البلاد منذ أكثر من عام. هذه ليست المرّة الأولى التي يحدث فيها ذلك. مرّة أخرى، أخفق البرلمان في انتخاب رئيس جديد للبلاد. لم نفشل فقط في القيادة في هذا البلد، بل بتنا بلا قيادة على الإطلاق حاليًّا. بالطبع، هناك الزعماء والقادة الحزبيون والدينيون المعتادون الذين يسيطرون على أتباعهم ويزيدون الانقسامات. أحد الأسباب الرئيسة لإخفاق البرلمان في انتخاب رئيس جديد هو الانقسامات العميقة في البلاد. لبنان بلد منقسم. نظامنا السّياسي الطائفي، حتّى في أفضل حالاته، مبني على الانقسام. وخارج لبنان، لا تزال الانقسامات في العالم تؤدي إلى حروب شنيعة.

في كلّ مرّة أرى الانقسامات أفكّر في طبيعة البشريّة الساقطة. كان الانقسام واضحًا منذ واجه الله آدم، عندها لام حواء والله أيضا على عصيانه (انظر تكوين 3: 9-13). بعد طردهم من عدن، رأينا عائلتهما النواتيّة أكثر تفككًا وانقسامًا: كانت منقسمة لدرجة أنّ قايين قتل هابيل (انظر تكوين 4: 8). والعالم يزداد انقسامًا بصورة مستمرّة، اليسار واليمين على نطاق واسع، مع حدود من صنع الإنسان تسمّى البلدان، ولكلّ منها خيرها وشرّها. يستمر التقسيم، إلى وحدات أصغر وأصغر. إنّه لأمر مزعج كيف يحتاج البشر في كلّ شيء إلى الانحياز والانقسام. أمة ضد أمة، وعرق ضد عرق، وقبيلة ضد قبيلة، والرجل ضد المرأة، و المرأة ضد الرجل ، والزوجة ضد الزوج، والزوج ضد الزوجة!

للأسف، نرى هذا الانقسام في جسد المسيح أيضًا، سواء في الصّراعات بين الكنائس أو داخل الكنيسة، أحيانا صراعات سريّة، وأحيانًا أخرى صراعات علنيَة. لقد رأينا مؤخرًا أمثلة كهذه في لبنان على مستويات متعدّدة: أتباع المسيح الذين لديهم المعلّم نفسه، إمّا يُشهرون أو يهاجمون بعضهم البعض بمهارة. في بعض الأحيان يكون ذلك بسبب الاختلافات، وأحيانًا أخرى بسبب حب السّلطة والسّيطرة.

قبل نابليون، وقبل يوليوس قيصر، وقبل فيليب الثاني المقدوني، أعتقد أنّ إبليس أحبّ حقًا فكرة فرّق تسد. إنّ رؤية الكنيسة منقسمة ومكسورة، وإخفاق في دورها الإرسالي، يمنحه البهجة. في 1 بطرس 5، يتحدّث بطرس إلى الشيوخ، ويحذّرهم من أنّ إبليس يدور كأسد يجول ملتمسًا من يبتلعه. إنّه يتحدث في سياق الخدمة والتّواضع. قد تكون خدمة الآخرين والاستعداد لأن نضع أنفسنا إحدى الطرق لمقاومة إبليس وعدم الاستسلام للانقسام.

شكرًا للرّب يسوع الذي صلّى بنفسه من أجل وحدة كنيسته:

وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكلاَمِهِمْ.  لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. (يوحنا 20:17-23)

أثناء سنوات حياتي، تمكّنت من اختبار الشّركة مع العديد من المجتمعات الكنسيّة. من خلال مجموعات الشبيبة واجتماعات العبادة والرحلات الإرسالية، التقيت وعبدت مع أتباع المسيح من مختلف الطوائف. لقد كانت تجربة مدهشة أن أرى كيف كان هناك مؤمنون أمناء محبّون لله في كلّ مكان وكيف وصل كلّ منهم إلى أنواع مختلفة من النّاس من أجل المسيح. قال تيموثي كيلر أنّه لا يوجد مكان في الكتاب المقدّس يقول أنّ كنيسة أو طائفة واحدة لديها كلّ العطايا والمواهب. لقد اختبرت ذلك وكبرت مقدّرةً الاختلافات في الكنائس والطوائف. الوحدة لا تعني أنّنا بحاجة إلى أن نبدو جميعًا متشابهين.

الوحدة لا تعني أنّه لا يمكن أن يكون لدينا طوائف مختلفة. ولا تعني أننا لا نستطيع الخروج وزرع الكنائس الجديدة أو بدء الخدمات الجديدة ولا تعني أنّه لا يمكن أن يكون لدينا اختلافات. ومن جهة أخرى، فإنّ الانقسام هو أنّ يسود كلّ منهم الآخر كما يفعل قادة العالم بشعوبهم، مما يخلق التحزّب، الانقسام هو التشهير بالكنائس الأخرى أو المؤمنين لأننا نهتم فقط بأنفسنا ولدينا “عقلية السلطعون العالق في الدلو” حيث نحتاج إلى سحب الآخرين إلى أسفل حتّى نتمكن من اعتلائهم؛ الانقسام هو التّركيز على نظامنا الديني وتقاليدنا بدلًا من المسيح.

غير أنّ الله لديه كنيسة واحدة. يشرح تيم كيلر أنّ الكنيسة الأولى مارست الوحدة من خلال مشاركة ممتلكاتهم ومشاركة مشاكلهم. أملي هو أنّه بدلًا من خلق المشاكل والمنافسة، أن تدعم كنائسنا بعضها البعض. وبالتالي، كما صلّى يسوع، أن تكون الكنيسة بمثابة شهادة للعالم، تظهر محبّته ووحدته مع الآب، حتّى يؤمن به العالم.

في العامين الماضيين في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، تمكنت من مشاهدة بعض الأمثلة الرائعة للوحدة بين الكنائس المختلفة. من خلال عملنا في صنع السّلام، رأينا رعاة من طوائف مختلفة جدًا يجتمعون ويتشاركون مشاكلهم ويصلّون من أجل بعضهم البعض. أنا متأكّدة من أنّ هذا يحدث في العديد من الأماكن في لبنان وحول العالم – حيث توحّد محبّة المسيح الناس من خلفيات وتقاليد مختلفة. مثال آخر للوحدة في جسد المسيح أراه يأتي من خلال أصدقائنا وشركائنا. تخيّلوا كنيسة في ريف الغرب الأوسط للولايات المتّحدة تشارك مواردها مع الكنيسة العربيّة! كنائس مختلفة تمامًا ثقافيًا وعرقيًا، قد لا يكون لها مجموعة المعتقدات والتقاليد نفسها بالضبط، ولكنّها متحدّة بمحبّة المسيح ومحبّة إرساليته. ثمّة العديد من هذه الأمثلة!

هذه الأمثلة تمنحني رجاءً للكنيسة في لبنان ولجسد المسيح حول العالم. صلاتي هي أن تنهض الكنيسة في لبنان لتكون نموذجًا للوحدة للبلد بأسره. يمكن للكنيسة المتّحدة أن تكون أقوى بكثير في رفع بلدها وقادتها في الصلاة. بالإضافة إلى ذلك، لأنّ الكنيسة الموحّدة تدرك قيمة الآخرين على الرّغم من اختلافاتهم، يمكنها أن تقدّم مثالًا للطوائف والأحزاب المختلفة في لبنان للعمل معًا بصورة أفضل. والأهم من ذلك، الكنيسة الموحّدة في لبنان تمجّد الله وتعطي سببًا للكثيرين ليعرفوه.

أخيرًا، أصلّي أيضًا من أجل أن تكون الكنيسة العالميّة متّحدة. تعكس الحروب والتجريد من الإنسانية التي نشهدها الميل البشري للانقسام منذ السقوط. إذا أدركت الكنائس في جميع أنحاء العالم وبين المجتمعات المتصارعة أنّ هناك تلاميذ للمسيح في كلّ لسان وكلّ أمة، فإن الانقسام لا يعود خيارًا. لا شكّ أنّ الكنيسة الموحّدة التي تحبّ قريبها وعدوّها يمكن أن تصبح عاملًا أفضل بكثير لتعزيز السَلام والعدالة في عالمنا.

 

للوة هي مديرة الشراكات في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. وهي طالبة في برنامج الدكتوراه في القيادة المؤسستيّة في جامعة كولومبيا الدوليّة وهي مندهشة من الطريقة التي يختار بها الله العمل من خلال النّاس لمجده.

1 Comment

  1. يقول القس مفيد طعمة:

    شكرا لهذا التأمل الرائع و الضروري جدا في هذه الأيام الصعبة من الحرب الروحية على الكنيسة ! صلاتي أن يلمس قلوب و أذهان كثيرين و خاصة الذي بيدهم القرار و التأثير ، كي نستطيع أن نشهد وحدة حقيقية بين جميع الكنائس و في داخلها ، خالية من الروح الكبرياء و الإدانة و التكفير ! برنامج صنع السلام في الكلية هو فتيل مدخن ، علينا جميعًا مسؤلية إشعاله و حمايته ، فهو بداية تحقيق صلاة الرب يسوع عن الوحدة الحقيقية .
    صلاتي معكم في كل مجهود تقومون به من أجل وحدة الكنيسة 🙏
    القس مفيد طعمة

اترك رد