التأمل في الانقسام والوحدة داخل لبنان وخارجه
مارس 14, 2024
إصلاح القرن الحادي والعشرين: تقليم لا مفرّ منه
أبريل 11, 2024

قوّة الليتورجيا: نحو فهم أعمق للاحتفال بعيد القيامة

بقلم تشيلسي هيرلبورت

نشأت في كنيسة كانت فيها “الليتورجيا” كلمة سيئة. “الليتورجيا” كانت تعني الطقوس الميتة، وبالنسبة للذين ينتمون إلى تقاليد كنيستي غير الطائفيّة، فإنّ الممارسة الليتورجيّة تنطوي على عبادة روتينيّة لا تعبّر عن الإيمان. ومع ذلك، على مرّ السّنين كمسيحية، نموت وبتّ أقدّر الليتورجيا كمنصة لبناء إيمان أكثر صلابة. وهذا ينطبق بصورة خاصّة مع حلول عيد القيامة، حيث تساعدني أحداث التقويم الليتورجي المؤدية إلى أحد القيامة على فهم عمل المسيح الخلاصي على الصليب بصورة كاملة.

مهلكم علي – أدرك أنّ الليتورجيا موضوع غريب لمدونة عيد القيامة! ومع ذلك، فقد شعرت أنّ الحقائق والمشاعر المذهلة التي نحاول اختبارها وتصويرها في عيد القيامة أكثر من أن نحدّها في يوم واحد. من بشريًا، ثمّة الكثير لنحاول استيعابه. إنّ الواقع البشع للمسيح على الصّليب يثير مشاعر العار والخيانة والهجر والخوف والألم والموت – كل ذلك يتحوّل إلى دهشة وذهول وارتياح ورجاء وفرح بحقيقة قيامته في اليوم الثالث! بدون الشّعور الحقيقي بالمشاعر الأولى، لا يمكننا اختبار الثانية بصورة كاملة. ترتبط حماستنا في يوم عيد القيامة بحزننا وشوقنا في الأيام التي سبقته.

في كتابه  “ليتورجيا العامّة”، يقول تيش هاريسون وارن “في السّنة الليتورجية لا يوجد احتفال بدون تحضير. أولًا ننتظر، نحزن، نتألّم، نتوب. نحن لسنا مستعدين للاحتفال حتّى نعترف، مع مرور الوقت، ومن خلال الطقوس والعبادة، بأنّنا وهذا العالم لسنا على حق ولم نصبح كاملين بعد[1]“.

يتطلّب احتفالنا بعيد القيامة موسمًا من التّحضير. يحدّد اثنين الرماد بداية هذا الموسم، ويدخلنا في فترة الصّوم الكبير من الصّوم والتأمل العاطفي، وهو وقت منفصل عن بقية العام بالنسبة لنا لإعادة فحص حياتنا أمام المسيح وإعادة ضبط أولوياتنا. أحد الشعانين بمثابة نقطة إعادة التزام تدعونا إلى الاعتراف بالمسيح والخضوع له كملك والترحيب به باحتفال من القلب. خميس الغسل، اليوم الذي يجتمع فيه العديد من المسيحيين لغسل أرجل بعضهم البعض، هذا اليوم يفتح أعيننا من جديد على محبّة المسيح وتواضعه ويسألنا عمّا إذا كنّا على استعداد لعيش الأمر نفسه. حتّى هذه المرحلة من موسم التحضير، كان هناك تطهير وإعادة التزام وتجديد. نشعر بانتعاش أرواحنا، نشعر بالحماس للاحتفال المقبل!

إلى أن تكسر وحشية الصّليب الفظة وهمنا: الجمعة “العظيمة” هي تذكير قبيح بأنّ كلّ صومنا وأدائنا الروحي لا يمكن أًبدا أن يمحو فساد خطايانا. الكفارة لا غنى عنها، نُترك مرعوبين ومرتبكين من تقديم المسيح لها من خلال الصليب. نحن نواجه قرارًا – مطلبًا – على أرواحنا: إذا أردنا الحياة يجب أن نواجه الموت. لا يمكن أن تحدث القيامة دون موت. لا نمضي إلى الأمام للاحتفال بعيد الفصح والاحتفال به دون أن نقرّر أولًا ما إذا كنّا على استعداد للموت عن الخطيئة والأنانية. ماذا سنختار؟

غالبًا ما يبدو سبت النور وكأنّه يوم غريب محصور بين الجمعة العظيمة وأحد القيامة. إنّه يوم ينشغل فيه الكثير منّا بالطهي والتنظيف، وإعداد منازلنا للعائلة والضيوف القادمين للاحتفال. إنّه يوم بدأت أفكّر فيه مؤخرًا فقط بالمعنى الروحي. سبت النور هو اليوم الذي ننتظره. إنّه يوم محصور، أو “ما بين بين” عندما نكون عالقين في مساحة لا نعرف بعد ما سيحدث. نتذكّر ما كان يبدو عليه الأمر بالنسبة للتلاميذ في ذلك اليوم – خوفهم وارتباكهم من صلب معلّمهم الحبيب. كمسيحيين نعرف رجاء عيد القيامة ونقضي سبت النور في انتظار آمل لليوم الآتي. ولكن بالنسبة للتلاميذ في ذلك اليوم، بدا كلّ الرجاء مفقودًا.

ثم ينبلج فجر الأحد. القبر فارغ. أتباع يسوع مندهشون وفي قمة الفرح! بات معنى كلّ ما قاله لهم يسوع يتضح. لقد بذل المسيح نفسه كالذبيحة الضروريّة لإصلاح علاقتنا مع الله. لم نعد متروكين ووحيدين، بل جاء المسيح ليسترجعنا ويدخلنا في شركة معه. “لقد ابتلع الموت إلى غلبة[2]!“لقد غلب المسيح كلّ شيء من خلال موته “حتّى نسلك نحن أيضًا في جدّة الحياة[3]“. ابتهجوا واحتفلوا! المسيح قام!

مع دخولنا نهاية أسبوع عيد القيامة، آمل أن تكون هذه المدوّنة قد شجّعتك على تخصيص وقت لإعدادك الليتورجي الروحاني. تأمّل كيف شعر التّلاميذ في أحداث كلّ يوم من هذه الأيّام واشعر بالأمر نفسه. لا تتخطى مشاعر العار أو الألم أو الوحدة للوصول إلى الاحتفال. المضي إلى الأمام لا يؤدي إلّا إلى إفقار إيماننا. إهمال الحقائق والمشاعر الصّعبة يتركنا نتصارع عندما نعود لنواجهها في أوقات أخرى من الحياة. الطريقة التي نمر بها خلال الأحداث التي أدت إلى أحد القيامة هي بمثابة نموذج لكيفيّة المسير خلال مواسم الحياة الصّعبة. هذا مهم ولا سيّما هنا في لبنان حيث كانت أحداث الأشهر والسّنوات القليلة الماضية ساحقة في بعض الأحيان. توفر لنا الأحداث الليتورجيّة في نهاية أسبوع عيد القيامة طريقًا لإيجاد الرجاء. عندما نواجه أحيانًا الحزن أو الارتباك كما فعل التلاميذ ليلة الجمعة البائسة، يمكننا أن ننظر إلى الأمام ونعرف أنّ الفرح قادم قريبًا. عندما نجد أنفسنا في أوقات الانتظار وعدم اليقين كما فعل أتباع يسوع يوم السبت، فإننا نتطلع مرّة أخرى إلى الأمام متأكدين من عودة المسيح. أحد القيامة ليس مجرد يوم، إنه ذروة الانتصار لقصّة ما زلنا نعيشها. إنّه منارة الرجاء التي نضع نصب أعيننا. لأنّنا نعلم أنّ “عند المساء يبيت البكاء وفي الصباح ترنّم!”[4]

 

تعيش تشيلسي هيرلبورت في لبنان وتخدم كأحد أعضاء هيئة التدريس في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. وهي تنهي حاليًا شهادة الدكتوراه في الّدراسات بين الثقافات، مع التركيز على النساء في الإرسالية.

[1] ص 106-107

[2]  1 كورنثوس 15:54

[3] رومية 6: 4

[4] المزامير 30: 5

اترك رد