قوّة الليتورجيا: نحو فهم أعمق للاحتفال بعيد القيامة
مارس 28, 2024
من أين تأتي الحكمة؟ مخافة الربّ والحيدان عن الشّر كمسيرة تحوّل
أبريل 25, 2024

إصلاح القرن الحادي والعشرين: تقليم لا مفرّ منه

بقلم وليد زيلع

في عالم يتطوّر ويتغيّر باستمرار، إنّه لمن المهم أن تظلّ الكنيسة منفتحة على إعادة تقييم ممارساتها ومعتقداتها. لقد كان مفهوم الإصلاح حجر الزاوية في الإيمان البروتستانتي، ولكن ربّما حان الوقت للكنيسة اليوم لإلقاء نظرة فاحصة على ما يعنيه الإصلاح حقًا في سياقنا الحديث. هل نعيش تعاليم يسوع بطريقة تعكس المحبّة والرّحمة؟ هل نحن على استعداد لتحدي الوضع الرّاهن وإجراء التّغييرات اللازمة قبل فوات الأوان؟ هل نحن مستّعدون لتحمّل عملية التّقليم المؤلمة؟

فيما يلي، أقترح أربع علامات على الأقل على أنّ الكنيسة تحتاج إلى إصلاح في القرن الحادي والعشرين.

تدفعنا الثقافة: إنّ إعطاء الأولويّة اليوم للاتجاهات الثقافيّة على القيم الكتابيّة أمر مقلق للغاية. من المهم أن تقود الكنيسة وتُرشد بناء على تعاليم الكتاب المقدّس، بدلًا من التوافق مع الأعراف الاجتماعيّة والاتجاهات الحديثة التي قد تتعارض في كثير من الحالات مع هذه التعاليم. عندما تملي الثقافة علينا معتقداتنا وممارساتنا، فإنّنا نجازف بإغفال إرساليتنا. في حين أنّه من المهم التّعامل مع سياقنا، يجب علينا دائما التمسك بالمعايير الأخلاقيّة المنصوص عليها في الكتاب المقدّس، حتّى لو كانت تتعارض مع الرأي الشائع. إنّ الإصلاح داخل الكنيسة أمر حيوي لضمان بقائنا مخلصين لمبادئنا الأساسيّة والاستمرار في إحداث تأثير مسيحي على العالم.

في العهد القديم، طلب شعب الله ملكًا لكي يكونوا مثل سائر الشّعوب. أرادوا من الملك أن يقضي لهم ويقودهم في المعركة ويخوض حروبهم، “فَنَكُونُ نَحْنُ أَيْضاً مِثْلَ سَائِرِ الشُّعُوبِ، وَيَقْضِي لَنَا مَلِكُنَا وَيَخْرُجُ أَمَامَنَا وَيُحَارِبُ حُرُوبَنَا.” (1 صموئيل 8: 20). ومع ذلك، كان الهدف من إسرائيل هو أن يكون مثالًا لسائر الشّعوب الأخرى، ويبيّن قيادة الله، الإله الحقيقي، وليس العكس.

من المهمّ أن تطلب الكنيسة موافقة الله وتسعى جاهدةً لتكون صادقة مع هويتها، حتّى عندما تعني هذه الهويّة عدم التّوافق مع التوجّهات المجتمعيّة. لا يمكن تجميل الخطيئة وتبريرها، بغضّ النظر عمّا إذا كان المجتمع يوافق عليها أم لا. من خلال الحفاظ على طريق المسيح، تستمر الكنيسة في التأثير على العالم وتبقى صادقة في إرساليتها.

تدفعنا البرنامج: الإرساليّة الجوهريّة للكنيسة هي نشر الإنجيل وجعل الله معروفا للجميع. يمكن تحقيق ذلك من خلال الكرازة وعيش قوّة نعمة الله المغيّرة من خلال رسالة الإيمان والمحبّة. قد يكون التركيز على البرامج كوسيلة أساسية للنمو فخًا مميتًا، لأنّه قد يؤدي إلى تجمع مؤقّت للأفراد المتشابهين في التفكير بدلًا من مجتمع قوي وموحّد يتمحور حول إيمان مشترك بتعاليم المسيح. بدلّا من ذلك، من خلال إعادة التركيز على الكرازة بالإنجيل وتجسيد قيمه، يمكن للكنيسة أن تتمم حقًا رسالتها في نشر محبّة الله لجميع الذين يطلبونها.

قد تكون فكرة جيّدة أن يكون لديكم مجموعة متنوّعة من البرامج في الكنيسة. ومع ذلك، فإنّ إنشاء برامج وأنشطة وأشكال مختلفة من “الخدمة” لجذب النّاس يمكن أن يكون خطيرًا. وفقًا للعهد الجديد، يحدث النّمو فقط عندما نكرّز ونعلّم ونعيش رسالة الإنجيل. قال بولس أنّه عندما نكرّز ونعلّم الإنجيل، فإن الله ينمّي (1 كورنثوس 3: 6).

في أعمال الرسل 2، بشّر بطرس بالإنجيل لأوّل مرّة بعد قيامة المسيح. وقد أشعلت رسالته شرارة الإيمان في الكثيرين من السامعين (أعمال الرسل 2: 37). وعندما سألوا عمّا يجب أن يفعلوه، قال لهم بطرس أن “يتوبوا ويعتمدوا” (أعمال الرسل 2: 38). كانت الرسالة التي بشّر بها هي أنّ يسوع هو المخلّص وأنّهم بحاجة إلى أن يطيعوه ليخلصوا. نرى أنّ اللذين ” قَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ اعْتَمَدُوا (أعمال الرسل 2: 41). ثم أضيف هؤلاء الناس إلى الكنيسة (أعمال الرسل 2: 47). حدث النمو نتيجة لرسالة الإنجيل التي تمّ التبشير بها، وليس برنامجًا مخططًا مسبقًا مصممًا خصيصًا لمجموعة معيّنة من النَاس.

تدفعنا الأعمال: عندما نفكّر في الكنيسة، من المهمّ أن نتذكّر أنّ الغرض منها ليس العمل كشركة. في حين أنّ بعض جوانب قيم العمل والقيادة يمكن أن تكون مفيدة عندما تتماشى مع خطّة الله، يجب أن تكون الكنيسة حذرة بشأن السّماح لمُثل العالم مثل المنافسة والربح للتسلل خلسة إلى المجتمع. من المفترض أن تكون الكنيسة هي المكان الذي يتّحد فيه الأفراد للعبادة ودعم بعضهم البعض في مسيرتهم الإيمانيّة. عندما نركّز على الأرقام والمكاسب الماليّة، فإنّنا نغفل عمّا هو مهم حقًا في عيني الله.

من المهم لقادة الكنيسة إعطاء الأولويّة لراحة رعيتهم على أي رغبة في نجاح الكنيسة كشركة أو شهرتها. وعلى غرار يسوع، يجب أن يجسّد القائد / المعلّم الحقيقي داخل الكنيسة صفات التّواضع والخدمة ونكران الذات، بدلًا من السّعي لتحقيق المكاسب الشخصيّة أو الحصول على السلطة. قال لهم يسوع: “فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، أَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا.”

طالما أن الاستراتيجيّات الفعّالة من عالم الأعمال تدعم الكنيسة للبقاء أمينة لقيمها الجوهريّة، يمكننا أن نضمن أن تظل الكنيسة مكانًا مزدهرًا ومرضيًّا روحيًّا. الكنيسة هي أكثر من مجرّد مؤسّسة. إنّها كائن حي ينمو بالإيمان والمحبة. الكنيسة هي جسد المسيح (1 كورنتوس 12: 12-13).

اندلع شغب في أفسس ضد المؤمنين لأنّ عبدة أرتميس يخشون خسارة دخلهم من صنع الأصنام وبيعها (أعمال الرسل 19: 23-41). لم تكن الكنيسة مدفوعة بالربح، بل تحدّت الوضع الرّاهن لعبدة الأوثان في هذا السياق وشكلّت تهديدًا لوجودهم.

 تدفعنا الشّعبيّة: من المفهوم أنّه في مجتمع اليوم، غالبًا ما تركّز الكنائس على اكتساب المزيد من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، من المهمّ الاعتراف بأنّ هناك قضايا ملّحة في العالم تحتاج إلى الاهتمام والعمل. قد يكون من المحبط أن نرى الأولويّة للشعبويّة على الدفاع عمّا هو محق.

يجب أن تكون الكنيسة متعاطفة مع معاناة الآخرين وأن تستخدم منصتها لتسليط الضّوء على القضايا المهمّة حقًا. من المهم أن نتذكّر أنّ شعب الله يجب ألا يبقى صامتًا في وجه الاضطهاد والحرب والفقر والأزمات الأخرى. نحن بحاجة إلى رفع أصواتنا للفت الانتباه إلى هذه المسائل الملّحة، بدلًا من زيادة ظهورنا الإعلامي.

إن الأمانة الحقيقيّة لا تتعلق فقط بمدى ازدهار الكنيسة ولكن بمدى نشاطها في جعل العالم يتماشى مع إرساليّة الله. يجب أن تسعى جاهدة للتحرّر من قيود النّجاح السّطحي والبدء في عيش قيمها الكتابيّة المتمثلة في نشر المحبّة والرّحمة والعدالة.

كثيرًا ما أسمع عن “الصوت النبوي” للكنيسة. إذا كان هذا هو حقًا صوت الكنيسة في أوقات الأزمات، فهناك تكلفة يجب دفعها. هل نحن مستعدون لدفع هذه التكلفة، أم أنّنا نفضّل البقاء بدائرة الأمان، في محاولة لإرضاء كلّ من الضحية والمعتدي؟

بالنظر إلى التّغيرات السّريعة في عالمنا والطريقة التي تستجيب بها الكنيسة، أضحى من الواضح بصورة متزايدة أنّه قد تكون هناك حاجة إلى إصلاح القرن الحادي والعشرين. في حين أنّ هناك العديد من الأصوات التي تدعو إلى التّغيير، هل نحتاج إلى الصّلاة من أجل مارتن لوثر آخر لقيادة هذا الإصلاح وتثبيت أطروحاته الخمسة والّتسعين على باب الكنيسة الإنجيلية؟ ربّما لم يحن الوقت بعد. ومع ذلك، نحن مدعوون للنظر في تغيير جذري في كنائسنا. إذا لم يكن الله ممثلًا في حياة الكنيسة ومن خلالها، فسيتعيّن علينا تحمّل عمليّة التقليم المؤلمة حتّى ينزع الآب كل غصن لا يثمر وكل غصن يثمر يقلّمه، حتّى يأتي بثمر أكثر.

 

وليد هو العميد الأكاديمي لكليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وراعي كنيسة الإيمان المعمدانيّة التي تجتمع في المنصورية، لبنان.

اترك رد