إصلاح القرن الحادي والعشرين: تقليم لا مفرّ منه
أبريل 11, 2024
مسيرتي مع استخدام السياق الأدبي لفهم الكتاب المقدس وتعليمه
مايو 9, 2024

من أين تأتي الحكمة؟ مخافة الربّ والحيدان عن الشّر كمسيرة تحوّل

بقلم غريس الزغبي

عند متابعة كوارث القرن الحادي والعشرين، ولا سيّما في منطقتنا الشرق أوسطيّة، يضحى من المهم أن نتذكّر أنّه لا يمكننا أن نجد الحكمة الحقيقيّة دون الرجوع إلى الله. تُطلب الحكمة في الزمن الراهن في أماكن مضللة وقابلة للنقاش. “مخافة الربّ” و”الحيدان عن الشّر” هي الطريقة الوحيدة لعيش حياة على الأرض مرضيّة لله (أيوب 28: 28). كثيرًا ما نتساءل ما هي الحكمة التي يمكن اكتسابها نتيجة اختبار الصدمات في حياتنا. يبيّن لنا سفر أيوب أنّه حتى في خضم هذا اليأس، نجد أنّ الحكمة تساعد في الشّفاء من جروح الماضي وتقود إلى الانفتاح على مستقبل أفضل بالرغم من صعوبة المصيبة. لا يأتي التغيير في خضم الحدث نفسه، ولكن في الرّغبة في السعي لاتباع طرق الله في كلّ جانب من جوانب الحياة.

في نشيد أيوب 28 يتحرّك أيوب نحو تحوّل وتغيير روحي يبدأ بالآية 28 ثم يصل إلى ذروته في الإصحاح 42. يظهر التغيير بصورة خاصّة في تعميق إيمان أيوب. إنّ ربط اختباري الخاص مع الضيق فيما يختص في الوضع الراهن في فلسطين يدفعني إلى التّفكير في معنى طلب حكمة الله وقيمة ذلك، وتطبيقه على الكارثة والمعاناة الحاليّة في فلسطين.

بينما نختبر المعاناة المرتبطة بالكارثة المستمرّة طوال الأشهر الستّة الماضيّة في فلسطين، حري بنا أن نتأمل في معنى الحكمة الاتية من “مخافة الرّب والحيدان عن الشّر”. من خلال ثقتنا أنّ الله معنا في وسط معاناتنا، وأنّه لم ينسنا، يترسّخ إيماننا في حقيقة أنّ الله حاضر في المشهد، وأنّه أعظم من كلّ الظلم الذي نحتمله. ليست الحكمة مجرّد القدرة على إيجاد إجابات لأسئلتنا في وقت المعاناة (كما سعى أيوب وأصدقاؤه) ولكنها في التزامنا وتعمّدنا أن نخاف الرّب ونحيد عن الشّر حتّى عندما تؤلمنا الحياة، وعندما يتّم تجريدنا من جميع مصادر الرّاحة والحريّة ومختلف الحقوق. إنّ ما يجلب الشفاء لأزمتنا الحاليّة ليس غضب الإنسان، أو كبرياء الخاطئ، ولا حكمة الملوك، ولا القمم الدوليّة. خلال عقود من الكرب، ثمة أمر واحد مؤكد، أمانة الله وحكمته كما يتضّح في أيوب 28.

ثمّة ثلاثة أقسام في هذا النشيد تعدُّ تطوّرًا تدريجيًا لكيفيّة استثمار طاقتنا في العيش بحكمة في مخافة الربّ:

توضح الآيات 1-11 المهارات التقنيّة البشريّة في عملية استخراج الجواهر الأكثر قيمة والتي يصعب العثور عليها: الحكمة والفهم. وبناءً على الاستعارة، إنّ الذهب والفضة نجدهما في المناجم. ولكن الله هو منجم الحكمة الحقيقية.

 تشرح الآيات 12-19 أنّ أقاصي الخليقة (الهاوية والبحر) تجهل مكان وجود الحكمة. لا يوجد مخلوق يعرف مكان الحكمة، كما لوحظ من الآية 13.

تركّز الآيات 20-27 على شخص الله وتخلص إلى حقيقة مفادها أنّ حكمته لا يمكن أن تكون كحكمة الإنسان، ولكن حكمة الإنسان هي بمخافته (ما يسرّ قلب لله). إنّ سعي البشريّة إلى الحكمة مقيّد بمحدوديات، لكن اتباع طريق الله واعد.

وصولًا إلى أيوب 28:28، “وَقَالَ لِلإِنْسَانِ: هُوَذَا مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ الْحِكْمَةُ، وَالْحَيَدَانُ عَنِ الشَّرِّ هُوَ الْفَهْمُ».”. يمكن النظر إلى هذه الآية على أنهّا عدسة لتتبع طريق الحكمة، بدءًا من المقدمة وفي السفر بأكمله. في السطور الأولى من السفر، يُعرّف أيّوب كرجل “يخاف الله” و”يجتنب الشّر” (1: 1).  تعد هذه الصّفات التي هي جوهر حكمة الله بمثابة المفتاح للإجابة على سؤال أيوب الملّح: “من أين تأتي الحكمة؟”

تشير مخافة الربّ إلى الاعتراف المتواضع بسيادة الله كحاكم لخليقته، مما يتطلّب منّا الثقة المطلقة بالله.  وفي وضع ثقتنا بالله دلالة على فهم ناضج لطبيعته. يتحاور أيوب مع الله ويصل إلى استنتاج مفاده أنّ حكمة الله تفوق فهمه، ومع ذلك فهي متاحة لأيوب من خلال “مخافة الرب” كعطية منه. وهذه خطوة أساسيّة في تحوّل أيّوب الرّوحي.

الحيدان عن الشّر في هذا السياق يعني اجتناب الأعمال التي تشوّه النظام الصّالح للخليقة وتؤدّي إلى تدمير الذات والمجتمع والعالم. غالبًا ما تؤدّي الحكمة البشرية إلى مغازلة الشر للسعي إلى مكاسب شخصية. إنّ رسالة الحيدان عن الشر هذه على طول الطريق نحو تحقيق الحكمة هي رسالة مؤثرة روحيًا، وتتجلّى في حياة أيوب من خلال ردود أفعاله تجاه الله ما يؤدي الى تغيير في أفكاره وكلماته وأسئلته وتأملاته.

إن التّحول في حياة أيوب هو عملية مستمرّة: تأتي اللحظة الفاصلة في 28: 28 عندما يدرك قيمة التشبث بطريق الله، ويستمر نحو الإصحاح 42 وما أعلنه بجرأة في أيوب 42: 5: “بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي”. تأصّل إيمان أيوب في حكمة الله في خضم التّحدي من غير أن يختبر الشفاء الفوري لجروحه. ثقته بالله في خضم الأزمات قادت للتغيير في فهمه لمعنى الحكمة.

 لقد سُلبت راحة أيوب الدنيويّة – على غرار الكثير من راحتنا في الوقت الحاضر في أرض مزّقتها الحرب – ومع ذلك فقد استمر في طلب وجه الله. لا بدّ أنّ نظرة أيوب للعالم قد تغيّرت من خلال الاستمرار في إظهار إيمانه وثقته بالله على الرغم من المصيبة التي حلّت بهذا الرجل “الكامل والمستقيم” (أيوب 2: 3).

من خلال عملية البحث عن الحكمة، مثل أيوب، سوف نتغير من خلال طلبنا لوجه الله. سوف يقودنا التّحول الروحي إلى مرحلة، لا نخاف الله فيها دون جدوى، ولكن بدلًا من ذلك نرغب في طلب حكمة الله ومحبته. أيوب 28 هو مثال للمكان الذي تتواصل فيه الحكمة بين الله والإنسان. ومع ذلك، لا يجب أن يكون التحوّل الذي يحدثه الله في حياتنا إعلانًا مفاجئًا أو فوريًا بالضرورة. يمكن أن يكون عملية مستمرّة. الله يعرف الحكمة عن كثب (أيوب 28: 23). لذلك، يجب أن نبحث عن الله بشوق حتّى نتمكّن من الوصول إلى حكمته ونتحوّل: روحيًا في المقام الأوّل من خلال التّواصل مع الله، وبالتالي على كلّ المستويات الأخرى أيًضا – بما في ذلك الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا البعض ونتألم لمعاناة بعضنا البعض.

يجب أن تكون هذه الحقيقة أولويّة ننقلها إلى المتعلّمين في التّعليم اللاهوتي، أي القدرة على ربط الرّوحي بالعملي، وبالتالي نقل مفهوم الحكمة المقدّسة إلى مستوى الإنسانيّة. يجب أن يكون التعليم اللاهوتي تكامليًّا، حيث يتم تطبيق اللاهوت على الحياة المسيحية والخدمة ما يقود الى رغبة قويّة تجاه اتباع الحياة التي تتّصف بالتقوى، وليس مجرد مفاهيم نظريّة. يجب أن يشمل التطبيق الاحتياجات العميقة للمتعلمين، والتي تشمل الحصول على الحكمة للعيش باستقامة هنا (في الشرق الأوسط) والآن (في هذه الأزمة السّائدة). بينما نتتبع معاناة الطلاب بطرق مختلفة في جميع أنحاء المنطقة العربية، يجب أن نتذكّر أن نشجّع بعضنا البعض وأن نبقي أعيننا مثبتة على الله. وكما يشجعنا الرسول يعقوب، لنطلب الحكمة من الله وسوف يعطي بسخاء (يعقوب 1: 5). آمين.

 

غريس الزغبي مسيحيّة فلسطينيّة من بيت لحم. وهي عضو في هيئة التدريس في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، ولديها شغف لتطوير التعليم اللاهوتي في الشّرق الأوسط.

اترك رد