من أين تأتي الحكمة؟ مخافة الربّ والحيدان عن الشّر كمسيرة تحوّل
أبريل 25, 2024
من إرساليّة الله إلى حركة الله: استعادة الحركة
مايو 23, 2024

مسيرتي مع استخدام السياق الأدبي لفهم الكتاب المقدس وتعليمه

بقلم داستن إلينغتون

لقد أصبحت متعلّقًا بالكتاب المقدّس لأوّل مرّة عندما مرّت عائلتي بوقتِ عصيب في أوائل سنين مراهقتي. في أحد الأيّام خلال هذه الفترة شعرت أنّ الله يقول لي: “لم تجرّب قراءة كلامي”. حينئذٍ أخذت كتابي المقدس من أحد الرفوف، وبدأت في قراءته، وبدأت أشعر بأنّني أقابل الله من خلاله. عرفت منذ ذلك الحين أنّ قراءة الكتاب المقدّس ستكون دائمًا جزءًا لا يتجزّأ من حياتي، وكنت آمل أن أقوم بتدريسه. أود أن أشارككم القليل من هذه المسيرة، لا سيّما الأجزاء التي تنطوي على “دراسة الكتاب المقدس الاستقرائية” و”السياق الأدبي”.

تعرّفت على “دراسة الكتاب المقدس الاستقرائية” من خلال خدمة إنترڤارسيتي المسيحية أثناء مرحلة الدراسة الثانويّة. كنّا نطبع سفرًا كاملاً من الكتاب المقدس بدون أرقام الآيات، ونستخدم الأقلام الملوّنة لنبرز المقاطع ونرسم عليها ونكتب عليها بغية دراستها ومناقشتها عن كثب، أسبوعًا تلو الآخر. إنّ دراسة الكتاب المقدّس الاستقرائيّة هي طريقة للحصول على أكبر قدر ممكن من الأدلّة الموجودة في النّص الكتابي، وطريقة لرؤية الروابط بين المقاطع المختلفة، مع سعينا أيضًا إلى وضع تصوّراتنا المسبقة جانبًا حول ما قد نتوقّع أن يقوله الكتاب المقدس. هذه العملية هي استقرائية لأنّها تهدف إلى أخذ أكبر قدر ممكن من البيانات الأوّلية من النّص الكتابي نفسه قبل استخلاص استنتاجات حول معنى النّص.

بعد حوالي عشر سنوات، أي بعد دراسة اللاهوت وبضع سنوات من التدريس والخدمة في إحدى الكنائس، ذهبت إلى جامعة ديوك للحصول على درجة الدكتوراه في العهد الجديد؛ لقد كان تدريبًا مكثفًا ومنضبطًا لاكتشاف ما كان كتّاب الكتاب المقدّس يحاولون قوله والتعبير عنه. تضمّن التدريب التعلّم لفهم العهد الجديد في سياقه التاريخي، وشمل أيضًا الكثير من تعلّم اللغتين اليونانيّة والعبريّة. لقد كان الهدف من التدريب فهم لاهوت أسفار العهد الجديد. غير أنّ العمل نفسه في الدراسة كان أدبيًا إلى حدّ كبير. والهدف الأساسي يتمحور حول تعلّم كيفية فهم ما نقرأه جيّدًا. ساعدتني خلفيتي في الدراسة الاستقرائية للكتاب المقدس كثيرًا، وتعلّمت أن أسمّي هذه الطريقة في الدراسة استخدام “السياق الأدبي” لدراسة الكتاب المقدّس. الكتاب المقدّس هو عمل أدبي، لذلك ندرسه بصورة أساسيّة باستخدام الأساليب الأدبية لاكتشاف ما هو مكتوب على صفحاته وما يهدف الكتّاب إلى نقله إلينا.

وأودّ أن أشرح ذلك بصورة محّددة أكثر، إنّ استخدام السياق الأدبي يعني أن نفسّر الكلمات والآيات والمقاطع وفقًا لما نجده في تلك المقاطع والمقاطع المحيطة بها. الكلمات والآيات والمقاطع تأخذ معانيها من السفر الكتابي كلّه الذي توجد فيه. يسعى السياق الأدبي إلى السماح للسفر الكتابي بأكمله أن يخبرنا بنفسه قدر الإمكان عمّا يعنيه أيّ مقطع من مقاطعه. كما يكشف لنا السفر عن نوعه الأدبي، وهو ما يرشدنا إلى كيفية قراءته، على سبيل المثال لا الحصر قد يكون رسالة أو قصّة. إنّ استخدام السياق الأدبي هو وسيلة نسمح من خلالها للسفر الكتابي بأن يكون له صوته الخاص وأن يعرّف مصطلحاته الخاصّة. أمّا إذا تمكّنا من القيام بذلك باستخدام اللغات الأصلية التي كُتب بها السفر، فسينكشف لنا المزيد من المعلومات والمعاني.

السياق الأدبي مهم لأنه يساعد على إبقائنا على المسار الصحيح. في كثير من الأحيان نحاول أن نحوّل معاني نصوص الكتاب المقدّس لتناسب مفاهيمنا المسبقة. قد ننجر للقيام بذلك خاصة عند قيادة دراسات موضوعية من الكتاب المقدس أو تحضير وعظ موضوعي يعتمد على موضوع محدّد وليس فقرة معينة أو سفر معيّن من الكتاب المقدّس. لكن عندما نقرأ نصًّا ما في سياقه الأدبي، علينا أن نقابل ما هو موجود فعليًا في النص، وما يقوله سياقه، وذلك كي لا نجعل الكتاب المقدس متوافقًا مع ما نريده أن يقول. قد تتسع جدًا دائرة المعاني عندما لا نقرأ النّص ما في سياقه. هذا ويعطينا السياق الأدبي توجيهات الكاتب الخاصّة لتوضيح المعنى.

بعد حصولي على درجة الدكتوراه، ذهبنا أنا وعائلتي كمرسلين إلى مصر، حيث قمت بتدريس العهد الجديد في كليه اللاهوت الإنجيلية في القاهرة. وهناك التقيت بطلاب مهتّمين بشدّة بالكتاب المقدّس، وقد حفظوا أجزاء كبيرة منه عن ظهر قلب. كان أمرًا رائعًا. غير أنّني شعرت أيضًا أنّ العديد من طلّابي يظنّون أنّه لفهم الكتاب المقدّس جيّدًا، يحتاجون إلى خبير، لكشف السياق التاريخي للمقطع. وأنّه إذا ساعدهم أحد الخبراء في فهم السياق التاريخي بشكلٍ صحيح، فإنّ المعنى الحقيقي للنّص سيظهر لهم. وقد يكون هذا معنى مختلفًا جدًّا عن المعنى الحرفي المباشر للنّص.

وهذا يتعارض مع الكثير ممّا كنت أومن به. كنت على يقين من أنّ معنى الكتاب المقدّس متاح لأيّ شخص يمكنه تعلّم القراءة، ومن يمكنه تعلّم قراءة النّص عن كثب في ضوء ما هو متاح لنا على صفحات الكتاب، وذلك من خلال استخدام الأسلوب الاستقرائي والسياق الأدبي. وهذا ينطبق على أيّ شخص تقريبًا. بالطبع، لكي نفهم الكتاب المقدّس جيدًا، يجب علينا أن ننتبه إلى أسفاره في سياقها التاريخي. على سبيل المثال، تتناول رسائل العهد الجديد مواقف معيّنة في الماضي. لكن أفضل طريقة للوصول إلى السياق التاريخي لأي سفرٍ في الكتاب المقدّس هي الأدلّة التي يقدّمها السفر نفسه، ونحن نصل إلى هذه الأدلة من خلال السياق الأدبي. ويتمّ تدريب دارسي الكتاب المقدس على تحديد هذه القرائن، ولكن أيّ شخص يعرف كيفية قراءة قطع أدبيّة جيدًا يمكنه أيضًا أن يتعلّم القيام بما يعرف علماء الكتاب المقدّس المحترفون القيام به.

لاحقًا، قادني الله وعائلتي إلى جامعة خوستو موالي في زامبيا، حيث قمت بتدريس العهد الجديد واليونانية (بالإضافة إلى الوعظ)، لمدّة اثني عشر عامًا. وفي هذا السياق، كان إنجيل الإزدهار، الذي يقول إنّ الله وعد بالإزدهار المالي لأولئك الذين يتبعونه حقًا، منتشرًا على نطاق واسع. ولم يسبق لي آنذاك أن درست الكتاب المقدس مع أشخاص من ثقافة مختلفة كهذه. بالنسبة لمعظم طلابي، كان من المنطقي جدًا أنّ الأولوية القصوى لم تكن السياق التاريخي أو الأدبي للكتاب المقدس، ولكن ما يقوله مجتمعهم من الكتاب المقدس. “الكتاب المقدس يعني ما يعنيه لنا ولمجتمعنا”، هكذا وصف أحد الزملاء الزامبيين الوضع في بلده. ليس العالم التاريخي هو الذي يقف وراء فهمنا للنص، أو ذلك الذي يمكن العثور عليه ضمن النّص نفسه، ولكن “العالم الذي يقف أمام النص” (المجتمع الذي يأتي منه المفسّرون) هو الأكثر أهمية في التفسير.

فمن ناحية، تعلّمت في زامبيا أهمية المجتمع وسياق القرّاء عندما يتعلّق الأمر بالتفسير. نحن بحاجة إلى الاعتراف بحقيقة أنّ وجهة نظرنا تؤثّر على ما نراه في الكتاب المقدس. وعندما نفسّر الكتاب المقدّس، فإنّنا لا نفعل ذلك من أجل أنفسنا فقط كأفراد. بل نحن نقرأ لسياقنا ولخدمة مجتمع المؤمنين فيه. نحن نحمل اهتمامات مجتمعنا إلى مهمّة التفسير. في الواقع، الكتاب المقدّس هو في الأساس ليس للعلماء فقط بل لمجتمع المسيحيين بأكمله.

ومن ناحية أخرى، شعرت أنّ النهج السائد لا يحمي الكنيسة من التعاليم التي لا تتوافق مع ما هو مكتوب في الكتاب المقدّس. فمن حيث سلطة الكتاب المقدّس، إنّ الإيمان المسيحي لا يضع المجتمع في مكانة أعلى من نصّ الكتاب المقدّس، بل تحته. نحن نفسّر للسياق الذي نوجد فيه، ولخدمة هذا السياق، ولكن لا نفسّر تحت سيطرة السياق وقيوده. نحن نسمح للنّص أن يتكلّم من الله لنا ولمجتمعنا. وبالنظر إلى هذه الحقيقة، فإنّ الاستخدام الاستقرائي للسياق الأدبي للكتاب المقدّس يمكن أن يخدم المجتمع، حيث نقوم باكتشافات من الناس لأجلهم. باستخدام السياق الأدبي، أصبح طلابي في زامبيا أكثر قدرة على تحديد ما قاله الكتاب المقدس حقًا، ويمكنهم استخدام ذلك في حوار نقدي مع ما قالته مجتمعاتهم عن الكتاب المقدس والحياة المسيحية. يمكنهم المساعدة في ضمان سماع المجتمع لما يقوله الكتاب المقدّس بوضوح، وبالتالي يساعدون المجتمع على وضع كلمة الله في سياقها بطرق مناسبة لهم. (لقد كتبت بعض المقالات حول عملية تحديد المفاهيم من خلال تفسير الكتاب المقدس في سياق جنوب إفريقيا. ويمكن العثور عليها في الرابط أدناه.[1])

انضممت حديثًا إلى كليّة اللاهوت المعمدانية، لكنّني أعتقد أنّ هذه الفترات السابقة من مسيرتي كانت مثمرة في تشكيل الطريقة التي سأقوم بها بتعليم الكتاب المقدّس في السنوات القادمة. أشعر بالحماسة لأن أدعو الطلاب إلى المضي قدمًا في مسيرتهم للقاء الله من خلال الكتاب المقدّس والاستماع إليه، بما في ذلك كلمات قد تفاجئهم أو لا يتوقّعونها. أود أن أرى الطلّاب مدرّبين ليدعو آخرين للسير في طريق الاكتشاف نفسها. أنا مقتنع بأنّ منح الطلاب المهارات اللازمة لاستخدام السياق الأدبي يمكن أن يمكّنهم من تعزيز مسيرتهم مع الكتاب المقدّس، حتّى يتمكّنوا من سماع صوت الله والوثوق به ومشاركة كلمته بوضوح أكبر.

داستن إلينغتون هو أستاذ مشارك في العهد الجديد في كلية اللاهوت المعمدانية العربية. يستمتع بالمحادثات حول الكتاب المقدس مع الطلاب والتنزه مع زوجته شيري.

[1] https://scholar.google.com/citations?user=7Cm_cNsAAAAJ&hl=en Look for the terms “prosperity gospel”, “the missing cross”, and “literary context”.

اترك رد