مسيرتي مع استخدام السياق الأدبي لفهم الكتاب المقدس وتعليمه
مايو 9, 2024

من إرساليّة الله إلى حركة الله: استعادة الحركة

بقلم واس واتكينز

نحن نميل بفضل قانون سري في أرواحنا إلى التّحرك نحو صورة الله المتصوّرة في أذهاننا. وهذا لا ينطبق فقط على المسيحيين كأفراد، ولكن على جماعة المسيحيين التي تشكّل الكنيسة. فدائمًا أكثر ما يخبرنا عن الكنيسة هو فكرها حول الله.

أ. و. توزر

أشعر عادةً أنّني على ما يرام حيال مظهري عندما أنظر إلى نفسي في المرآة. ولكن عندما يشارك شخص ما صورة لي من زاوية مختلفة، ألاحظ، أنّه “من الواضح أنني رجل يعاني زيادة الوزن في منتصف العمر ويحتاج إلى زراعة الشعر.” تحوّل طفيف في وجهة النظر يُحدث تغييرًا كبيرًا. وفي بعض الأحيان الأمر مؤلم جدًا.

وعلى غرار ذلك، فإنّ الأفكار الشائعة التي نؤمن بها أنّها “على ما يرام” يمكن أن تبدو مختلفة تمامًا عندما نغيّر وجهة نظرنا. وبعض المفاهيم اللاهوتية تصبح بالية مع مرور الوقت. هل يمكن أن نواجه هذه المشكلة عندما نتحدّث عن “الإرسالية”؟

إرساليّة الله (Missio Dei)

نشأ مفهوم “Missio Dei” في منتصف القرن الـ20، والذي يُترجَم إلى “إرسالية الله”، وكان ذلك بمثابة تحوّل مهم من مفهوم الإرسالية كنشاط تقوم به الكنيسة إلى اعتباره مستمد من طبيعة الله نفسه. تؤكّد هذه الفكرة على أنّ الله هو إله “إرسالي”. تشارك الكنيسة في إرسالية الله؛ لكن تبقى الإرسالية رسالة الله وعمل الله.

غير أنّ ذلك كان تصحيحًا مفيدًا آنذاك. لقد تحمّلت الكنيسة مسؤولية أمر يخصّ الله بصورة مطلقة. من خلال تحرير الكنيسة من عبء يثقل حمله، قدّمت إرسالية الله نظرة شاملة وتكامليّة لأنشطة الله من خلال تعزيز انخراط المسيحيين في جميع أنحاء العالم وفي جميع مجالات الحياة، بما في ذلك المجتمع والسّياسة والاقتصاد والثّقافة.

للأسف، فإنّ مصطلح missio نفسه يأتي من مفردات الكنيسة اللاتينية في القرن الـ16 وهو مرتبط بالاستعمار. هذا لا يعني أنّ جميع تعبيرات الإرسالية متأثّرة بالإمبرياليّة (الحقيقة عكس ذلك تمامًا!)، لكنّنا نحسن صنعًا أن نعترف بتاريخها المعقّد.

بالنسبة للإنجيليين، عندما ظهر مصطلح “إرسالي” في تسعينيات القرن العشرين، سرعان ما تحوّل كلّ شيء تقريبًا إلى “إرسالية” وأصبح الجميع “إرساليين”. اليوم، من الصّعب أن نجد كنيسة إنجيلية لا تصف نفسها بأنّها “مرسلة”. لقد تفوّق الحديث الإرسالي منتصرًا في معركة الأفكار والمفاهيم.

ولكن بأيّ ثمن؟ وما الذي تغيّر حقًا؟

في الواقع قد يؤدّي النطاق الواسع لإرساليّة الله إلى غموض إرسالي. بالنسبة للعديد من المسيحيين، يُستخدم مصطلح “إرسالي” بصورة شائعة لوصف الدور الشفائي الذي تلعبه الكنيسة في المجتمع. على سبيل المثال، إذا كانت كنيستك تقوم بخدمات مهمّة مثل تلبية احتياجات اللاجئين، ومعالجة العنصرية الممنهجة، والتخفيف من حدّة الفقر، فأنتم إرساليين. فلنكن واضحين، هذه أنشطة جيّدة وضروريّة!

غير أنّ الكنيسة أيضًا قد تُفتن بسهولة بأنشطة لا علاقة لها بيسوع (على سبيل المثال، القوميّة المسيحيّة أو التقدميّة اللاهوتيّة). قد نميل أحيانًا لأن نهيم بلا هدف عندما نحيد أعيننا عن المسيح. ومن المؤسف جدًا، أنّ الكنيسة تتجه أحيانًا دون وعي في الاتجاه المعاكس لإرساليّة الله.

ولكن الأهم من ذلك، أنّ معظم الكنائس الإرساليّة لا تتكاثر أبدًا وهي غير فعّالة في التّلمذة. على سبيل المثال، ظهرت حركة الكنيسة الإرساليّة على مدى السّنوات الـ25 الماضية في أمريكا الشماليّة، وفي هذه الفترة نفسها خسرت الكنيسة هناك 40 مليون عضو. ثمة خطأ في مكان ما. فالنهج المعتمد هو أن يقوم النظام بما هو مصمّم للقيام به، ولا شيء أكثر من ذلك. ربما كان هذا النهج فعّالًا في الماضي، ولكن ليس بعد الآن.

إنّه لمن السهل جدًا أن نلوم “الثقافة” ونحوّلها إلى كبش محرقة في حين أنّ المشكلة في الواقع قد تكون نحن. فنحن لم نسعَ إلى إجراء أي تغييرات في الصورة الإرساليّة لكنائسنا أو في أنظمة السّلطة الهرميّة المتجذّرة في كنائسنا. نحن مرتاحون جدًا لإرث العالم المسيحي، دون وعي أو فحص نقدي، في كنائسنا المؤسسيّة. وبذلك تصبح الكنائس عاجزة عندما تتبنّى الإرساليّة من خلال الأشكال الكنسيّة التي رأسها أشياء أخرى غير المسيح. لقد نسينا أنّ الله إرسالي.

حركة الله (Motus Dei)

إذًا، ماذا لو كان التّعبير الأكثر أمانةً للكنيسة الإرساليّة هو الكنيسة الحركيّة؟ “Motus Dei” في اللاتينيّة تعني “حركة الله”.

في اللاهوت المسيحي، نؤمن أنّ الله لا يتغيّر أبدًا. هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد (عبرانيين 13: 8). هذا يعني أنّنا يمكننا دائمًا الوثوق به، بغضّ النظر عمّا يدور حولنا. هذه الطبيعة غير المتغيرة لله تُسمى “اللامتغيرية”. ولكن ماذا لو أنّ أحد الأمور التي لا تتغيّر أبدًا بالنسبة لله هو أنّه نشط دائمًا، ويخلق دائمًا أمورًا جديدة، ويتحرّك باستمرار ليُحدث الفداء والتّغيير؟ تعكس حركة الله فكرة اللامتغيرية الديناميكية وتتحدّى الأفكار القديمة والبالية عن الله.

الله ليس إلهًا جامدًا ولكنّه حضور نابض، متداخل بعمق مع خليقته. يسلّط هذا المفهوم “Motus Dei” الضّوء على حركة الله التي ترشد الكون وتشكّله. الله، إله الكتاب المقدّس إله متحرّك وقد نقل هذه الصفة للبشريّة. كما قال بولس للأثينيين، “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ” (أعمال الرسل 17: 28).

وبناءً عليه نحن نوجد في عالم متحرّك مع تدفق وتغيير مستمرين. تمت مناقشة انعكاسات حركة الإنسان (motus humanitatis) في ضوء حركة الله (motus Dei) ببراعة مؤخرًا في مقالين على الرابطين التاليين (هنا و هنا). وثمة علاقة جوهريّة بين حركة الإنسان وحركة الله، إذ يعيش ما يقرب من 3.6 في المائة من سكّان العالم اليوم خارج بلدهم الأصلي في سياقات الإغتراب.

غير أنّه لا يزال هناك الكثير لاستكشافه حول حركة الله، وتحديدًا فيما يتعلق بحركة الكنيسة “motus ecclesiae”.

استعادة الحركة

إذا كنت تسافر كثيرًا، فستجد كنائس مسيحيّة في الصحارى الحارّة أو المناخات الاستوائيّة في جميع أنحاء العالم العربي وأفريقيا وآسيا وقد تكون ضمن أبراج أو ذات أسقف مائلة مبنية لتحمّل الثلوج الكثيفة. هذا رمز لنموذج الكنيسة المتجذّرة في ثقافتنا المسيحيّة العالميّة الفرعيّة. فلقد تمّ استيراد مفهوم ثابت حول الكنيسة إلى عالم الأغلبيّة من دون فحصه ونقده. يبدو أنّ معظم المسيحيين راضون عن مفهوم الكنيسة المستمد من شكلها المؤسسي الذي وُلد في عصر القسطنطينيّة وليس من العهد الجديد.

تميل المسيحيّة المؤسسيّة إلى الإيحاء بأنّ الكنيسة لا تزال تتطوّر إلى صورة أكثر نضجًا من بدايتها البدائيّة. على سبيل المثال، تفترض المسيحيّة المؤسسيّة أنّ أولويّة يسوع في التّلمذة وخدمة الرّسل لتعزيز حركات تكاثر الكنائس بين الضّالين روحيًّا هي أمثلة بدائيّة تفتقر أساليبها ومحاورها إلى التّطور اللازم لمجاراة تعقيدات القرن الـ21.

العديد من الكنائس المؤسسيّة التي تحوّلت إلى موقف أكثر “إرساليّة” لم تقم، في الوقت نفسه، بتعديل لاهوتها الكنسي. لقد أضافوا ببساطة برامج ومشاريع إرساليّة إلى ما كانوا يفعلونه سابقًا، ولكن دون إعادة توجيه الكنيسة نحو رأسنا الرسولي والتجسدي: يسوع. إذا كانت تعبيرات الإنجيل متكيّفة مع الثقافة، فيجب أن تكون صورة الكنيسة كذلك. إنّ تبني موقف متجذّر لاهوتيًا للحركة يعني ألا نسعى فقط إلى تبنّي أنشطة رسوليّة ولكن هياكل رسوليّة أيضًا. استخدام زقاق الخمر الجديدة في أنظمتنا الكنسيّة.

وهنا قد نعترض ونصر على أنّ الله يدعونا إلى الأمانة، وليس إلى الحركة، لأنّ الله وحده هو الذي يعطي “النّمو” (1 كورنتوس 3: 6). ثمّة العديد من المعايير لتقييم الأمانة الإرساليّة، والطاعة هي الأكثر أهميّة. في بعض الأحيان، ولأسباب مختلفة، تجد الكنيسة نفسها في سياق معيّن في فترة من الركود أو الانحدار. ولكن هذا هو بالضبط بيت القصيد –بالنسبة للتجديد الإرسالي أو لعبور الحواجز الإرساليّة، يمكننا أن نجد ما نحتاجه في العهد الجديد إذا تجرّأنا على قراءته من خلال منظور الحركة.

إنها ليست مجرد مسألة أساليب الخدمة، بل هي مسألة النموذج الذي نضع أنفسنا فيه. توفّر نشأة حركات صنع التّلاميذ في عالم الأغلبيّة نوعًا من الإثبات النموذجي المناسب لإعادة التصميم الرسولي لكلّ من الكنيسة والإرساليّة. يمكننا أن نرى في هذه الحركات كيف تبدو الكنسية الحركيّة في الحياة الواقعيّة. لدينا فرصة غير مسبوقة لنتعلّم من جديد كيفيّة استعادة لغة الكنيسة كحركة ولاهوتها وممارساتها.

حركة الله هي نوع من الأفكار المتسامية التي يمكن أن تشكّل وتدعم طريقة تفكيرنا في الإرسالية بصورة جديدة. يمكن أن يكون عدم التعلّم وإعادة التعلّم غير مريح ومؤلم لأنّ نظرة بسيطة في المرآة وحدها غير كافية. يحتاج الحديث الإرسالي إلى دفعة للأمام، ونأمل أن تثير حركة الله في مفرداتنا الإرساليّة خيالنا الرّسولي للحركة من جديد.

كما يذكّرنا أ.و. توزر، “ما يتبادر إلى أذهاننا عندما نفكّر في الله هو أهم شيء فينا”. نحن حركة لأنّ الله نفسه حركة. مع تقدّم الكنيسة، يؤكّد لنا يسوع أنّ أبواب الجحيم الراكدة لن تصمد أمام قوّة حركته، أي الكنيسة (متّى 16 :18). في ضوء حركة الله، نحتاج إلى إعادة تعلّم التّفكير والتّصرف كحركة إذا كنّا ننوي اتباع المسيح بأمانة في آفاق جديدة.

 

واس واتكينز هو أستاذ مساعد في لاهوت الإرساليات في كلية اللاهوت المعمدانية العربية وميّسر للشبكة التي أنتجت كتاب Motus Dei: The Movement of God to Disciple the Nations (حركة الله لتلمذة الأمم).

اترك رد