من إرساليّة الله إلى حركة الله: استعادة الحركة
مايو 23, 2024
شعار يسوع
يوليو 4, 2024

المسيحيون وإدارة الوقت

بقلم عبد زين الدين

يواجه العديد من الأشخاص الذين قابلتهم مؤخرًا صعوبة في مواكبة جداولهم الزمنيّة. وأنا من ضمن هؤلاء الأشخاص أيضًا. عندما يقدّم الطلاب طلب انتساب إلى كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، يُسألون عن إمكانيتهم على توفير الوقت الكافي لدراستهم. ومع ذلك، يواجه معظمهم تحديات في إدارة الوقت، وبخاصّةً أنّ لديهم الكثير على جدول أعمالهم: الالتزامات العائليّة، والتزامات العمل، والقائمة تطول. وبذلك تمسي إضافة الدروس مرهقة، لا سيّما، إذا كانت مهارة إدارة الوقت ضعيفة. بالنسبة للمسيحيين، فإنّ إدارة الوقت هي أكثر من مجرد كفاءة، لأنّها توائم إيقاع حياتنا اليوميّة مع مقاصد الله. لذلك إليكم بعض المبادئ الكتابيّة بينما نتأمّل في إدارة الوقت حتّى نتمكّن من توجيه حياتنا بإحساس أعمق بالسّلام والقصد والالتزام الروحي.

منظور كتابي حول الوقت

يستخدم العهد الجديد كلمتين للتعبير عن الوقت: كرونوس (تفيد المعنى الكمّي للوقت؛ على سبيل المثال، لاحظ متّى 2: 7، عبرانيين 11: 32) وكايروس (تفيد المعنى النوعّي للوقت؛ على سبيل المثال، لاحظ متّى 8: 29، أعمال الرسل 24: 25). تتمحور كرونوس حول “الدقائق” بينما تتعلّق كايروس بـ”اللحظات” أو المواسم. يسلّط العهد القديم الضّوء على طبيعة الوقت ومسؤوليتنا كوكلاء له. على سبيل المثال، يشدّد سفر الجامعة 3: 1 على ملاحظة الإيقاعات والفصول في الحياة، مشيرًا إلى أنّ مسألة إدارة الوقت تتعلّق بالتّمييز بقدر ما تتعلق بالانضباط: “لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ”. بالإضافة إلى ذلك، يحثنا مزمور 90: 12 أن نكون هادفين بشأن كيفيّة استخدامنا للوقت، لكي نعكس حكمة الله: “إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هَكَذَا عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ.”

تحديد الأولويات

الأولويات هي مفتاح إدارة الوقت بالنسبة للمسيحي. أكّد يسوع على أولوية ملكوت الله (متّى 6: 33)، ما يؤدّي بدوره إلى ترتيب أنشطتنا بانسجام مع مقاصد الله. فيما يلي بعض الطّرق المفيدة لتحديد أولويات وقتنا كمسيحيين:

أولًا: العبادة اليوميّة – حدِّد بعض الوقت للشركة الروحيّة مع الله بالصلاة وقراءة الكتاب المقدّس (صباحًا إذا كنت شخصًا نشِطًا في الصباح مثلي، أو في المساء إذا كان ذلك يناسبك. والأهم هو إعطاء الأولويّة لهذا الوقت اليومي مع أبيك السّماوي وعدم السّماح لانشغالات الحياة ومشاكلها بالتّقليل من أهمية هذا الوقت.)  على الرّغم من أنّ قضاء وقت في التأمل والعبادة قد يبدو بديهيًا، إلّا أنّ هذه الممارسة البسيطة تجذرّك روحيًا وتحدّد إيقاع يومك. العبادة اليوميّة هي وقت لطلب إرشاد الله و(إعادة) ضبط قلبك بحسب قلب الله.

 ثانيًا: راحة السّبت – التّوقف عن العمل في يوم السّبت ليس علامة على الكسل. بل على عكس ذلك، فإنّ راحة السّبت وضعَها الله في الوصيّة الرّابعة، كوقت للتأمّل وعبادة الله. يؤكّد بعض اللاهوتيّين أنّه بدلًا من الاستراحة في يوم السّبت بمعنى التّوقف عن العمل، تحوَّل الله من العمل المذهل المتمثّل في إعطاء الخليقة هدفًا، إلى المهمّة اليوميّة الأكثر روتينيّة المتمثلة في أن يكون الله نفسه حاضرًا في هيكله الكوني. لذلك، كمسيحيّين، ومن خلال حفظ السّبت، نحتفل بالله كصاحب السيادة، وليس البشر. يساعدنا هذا أيضا على الإبطاء وتطوير إيقاع منتظم للرّاحة وللاسترخاء وللعبادة ولتجديد أجسادنا وأرواحنا، ما ينعكس بفائدة إضافيّة تتمثّل في زيادة إنتاجيتنا ضمن أنشطتنا اليوميّة.

ثالثًا: تخصيص وقت للأسرة والعلاقات – إذا لم يتم تحديد أولوية للعلاقات القريبة، فمن المرجح أن تكون العلاقات أوّل من يعاني عندما نسيء التّعامل مع وقتنا. إنّ الاستثمار في هذه الروابط يظهِر محبّة الله ويخلق بيئة علائقيّة داعمة وراعية.

موازنة المسؤوليات

لدى جميعنا مسؤوليّات متعدّدة – العمل والأسرة والكنيسة والالتزامات الشخصيّة الأخرى – وإذا لم نخطّط عن قصد مع إبقاء هامش من المرونة، فسوف نقع في فخ حلقة مفرغة من عدم التّوازن.

أولًا: ضع أهدافًا واضحة – لوقا 51:9، “وَحِينَ تَمَّتِ الأَيَّامُ لاِرْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ”. على الرّغم من أنّ يسوع لم يكن يصارع مع مشكلة نسيان هدفه، إلّا أنّه عزم بثبات على تحقيق الغرض من خدمته. إنّ تحديد الأهداف قصيرة الأجل وطويلة الأجل يعكس إيماننا وقيمنا. من خلال تقسيم هذه الأهداف إلى أنشطة مجدِية، يمكنك الحفاظ على دوافعك وتركيزك.

ثانيًا: وضع جدول زمني – استغرقت رحلات بولس التبشيريّة الثلاث أكثر من عشرة آلاف ميل واستمرت حوالي تسع سنوات. لم يكن ليتمكن من ذلك دون وضع خطط تعالج أولوياته القصوى. باستخدام التقويمات وأدوات الجدولة الأخرى، ضع خطة يوميّة أو أسبوعيّة تحدّد مسؤولياتك وتتضمن وقتًا للعمل والأسرة والاسترخاء والحفاظ على الصّحة البدنيّة والعقليّة.

ثالثًا: تجنَّب الإفراط في الالتزام – العديد منّا مثقل بالكثير! قال يسوع “لا” لبعض فرص الخدمة (على سبيل المثال، لاحظ يوحنا 11: 1، 3-7). اكتسِب القدرة على قول “لا”. من الضّروري التّعرف على حدودك والامتناع عن الإفراط في الالتزام. قد يؤدّي الإفراط في الالتزام إلى إعاقة قدرتك على المساهمة دون المعاناة من الإرهاق على المدى الطّويل.

اعتناق المرونة وتقديم النعمة

إن اعتناق المرونة وتوفير النعمة لأنفسنا وللآخَرين أمر بالغ الأهميّة لإدارة الوقت، إذ أنّ الأمور لا تسير دائمًا كما هو مخطّط لها.

أولًا: القدرة على التكيّف – بينما انطلق يسوع ليشفي ابنة يايرس، أوقفته سيدة كانت تنزف لمدّة اثنتي عشرة عامًا ومدّت يدها لتلمس رداءه على أمل الشّفاء (مرقس 5: 22-43). كن مستعدًا لتغيير خططك إذا لزم الأمر. إنّ الأحداث غير المتوقعة والتّغيرات في الظّروف هي جزء من الحياة. ثق أنّ الله هو المسيطر، حتّى عندما لا تسير الأمور كما هو مخطّط لها.

ثانيًا: الحياة المملوءة بالنّعمة – يتبادر إلى ذهني هنا الرسول برنابا، لأنّه كان صبورًا تجاه نقائص مَرقس. فهو في نهاية المطاف ابن الوعظ (التشجيع) (لاحظ أعمال الرسل 4: 36). كان ينوي إعطاء مَرقس فرصة أخرى بعد أن “فارقهما [أي مَرقس لبولس وبرنابا] … ولم يذهب معهما للعمل” (أعمال الرسل 15: 38). امنح النعمة لنفسك وللآخَرين عندما تفشل الخطط أو تظل المهام غير مكتملة. ندرك أنّ الهدف ليس الكمال، بل الأمانة لله.

ثالثًا: تأمّل وعدِّل – في العادة الثالثة من كتابه سبع عادات للقادة ذوي الفعاليّة العالية، يسلِّط ستيفن كوفي الضوء على مصفوفة أيزنهاور أثناء مناقشته لتحديد أولوياتك. تقسِّم هذه المصفوفة جميع الأنشطة في الحياة إلى أربعة أرباع على النّحو التالي:

  1. الرّبع الأوّل: المهام الهامة والعاجلة – حالات الطوارئ والاحتمالات غير المتوقعة.
  2. الرّبع الثّاني: المهام مهمّة ولكنها ليست عاجلة – بما في ذلك تنظيم الأنشطة الترفيهيّة وتعزيز العلاقات.
  3. الرّبع الثّالث: المهام العاجلة ولكنها غير مهمّة، مثل الاجتماعات وكل ما يقاطعنا.
  4. الرّبع الرّابع: المهام التي ليست حرجة ولا عاجلة، مثل مشاهدة التلفزيون أو التصفّح اللامتناهي لوسائل التّواصل الاجتماعي.

بالنظر إلى أنّ الرّبع الثّاني يتضمن الرّؤية والمنظور والتّوازن والانضباط والتّحكم، فيجب أن يكون هذا مجال الاهتمام الأساسي. إنّه تمرين جيّد لفحص التزاماتك وجدولك الزمني على أساسٍ منتظِم. ضع في اعتبارك ما الذي يسري على ما يرام وما لا يفلح، ثمّ قم بإجراء التّغييرات اللازمة. من خلال القيام بذلك، يمكنك الحفاظ على تركيزك على أهدافك وأولوياتك القصوى.

خدمة الآخَرين بوقتك

إن الاستفادة من وقتنا لخدمة الآخَرين هي عنصر حاسم في إدارة وقت المسيحي. نحن ملزمون بأن نعيش حياة الخدمة، تمامًا مثل يسوع والكنيسة في سِفر أعمال الرّسل.

أولًا: تطوّع – شارَك يسوعُ الإنجيلَ. أطعَم الجموع الجائعة. غسَل أرجل تلاميذه. اقض بعض الوقت في الخدمة في الكنيسة أو في مجتمعك. يمكن أن يكون ذلك من خلال التنظيم أو ببساطة تقديم المساعدة لمن يحتاجون إليها من حولك.

ثانيًا: الإرشاد – أحد أعمق التأثيرات في مسيراتي الإيمانيّة هو الوقت الهادف الذي قضاه راعي كنيستي الرّاحل معي أثناء إرشادي. في مرقس 3: 14، استثمر يسوع في العلاقات من خلال إرشاد الآخَرين حيث “أَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ…” قد يكون لمشاركة وقتك وخبراتك تأثير كبير على التّطور الرّوحي والشّخصي لشخص آخَر. يمكن أن يشمل ذلك الشّبيبة أو المؤمنين الجدد في كنيستك، أو زملاء العمل الأصغر سنًا.

ثالثًا: أعمال الرحمة – ابحث عن طرق لمساعدة النّاس في مواقف الحياة اليوميّة. قد يكون لأعمال الرحمة الصّغيرة، مثل قول كلمة طيّبة، أو مد يد العون، أو مجرد التّواجد لأجل شخص ما تأثير كبير على حياتهم.

خلاصة

في ثقافة تحتفل في كثير من الأحيان بالنشاط والإنتاجيّة، فإنّ إدارة الوقت كمسيحي هي أكثر من مجرد التّنظيم. يتعلّق الأمر بمواءمة حياتنا مع مقاصد الله الأبديّة. يمكننا أن ندير وقتنا بطريقة مشرِّفة ومثرية من خلال إعطاء الأولويّة لعلاقتنا مع الله بكونه المحور والمركز، وتحقيق التّوازن بين التزاماتنا، وإعطاء هامش للمرونة، ومساعدة الآخَرين. بينما نواجه تحديّات الحياة اليوميّة، قد نطلب توجيهه، ونستكين في نعمته، ونستخدم وقتنا لنعكس محبته ومجده.

عبد هو أستاذ مساعد في اللاهوت العملي في كلّية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. وهو عضو في كنيسة النّاصري ويستمتع بمشاهدة الأفلام والاستماع إلى الموسيقى والمشي.

اترك رد