المسيحيون وإدارة الوقت
يونيو 20, 2024

شعار يسوع

بقلم باسم ملكي

بدأ شعار أديداس (Adidas) الذي نعرفه اليوم بثلاث خطوات  في عام 1949 كثلاثة خطوط على الأحذية الرياضيّة، ثمّ تغيّر إلى ثلاث أوراق في عام 1972، وأخيرًا في عام 1997 صدرت نسخة الشعار التي نعرفها اليوم. عندما نرى شعار أديداس على منتج ما، فإنّنا نثق في جودة المنتج.

يخلق الشعار رمزًا مرئيا يمثّل علامة تجاريّة ويرتبط بذاكرة الأشخاص. يمكن للشعار أن ينقل الكثير عن هوية الشركة التي يمثّلها: لدى جوجل ألوان أساسيّة مرحة في شعارها، وشعار فيديكس يُظهر السّرعة، ويُظهر شعار أديداس الأداء والمثابرة في اعتلاء العقبات. لذلك، يعمل الشّعار كتعريف للمنتج ولكن أيضًا لحاجة الزبون التي يهدفون إلى تلبيتها.

غير أنّنا نرى اليوم علامات تجارية مزيفة تخلق أسماء مماثلة  للعلامة الأصلية (مثل Abidas)، والتي تتخلّى عن الحقيقي لخداع الزبائن باعتقادهم أنّهم يشترون منتجات ذات نوعيّة جيّدة. ليشعر النّاس بعدها بخيبة أمل كبيرة.

آمل أن تصلوا معي إلى النقطة التي أنوي إيصالها.

تأتي كلمة شعار أي logo بالإنجليزية من الكلمة اليونانية logos، والتي تعني “كلمة”. هذا يذكرني بيسوع الكلمة (يوحنا 1: 1) الذي صار جسدًا. والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. يسوع هو شعار الله. من المؤكّد أنّ يسوع هو أكثر من مجرد شعار، لأنّه يشارك في الهوية نفسها مع الله، ونحن متيقنون أنّه الله. لكنّ يسوع هو أيضا شعار الله، لأنّه يمثّل الله في كلّ ما هو عليه. يقول بولس لأهل كولوسي أن يسوع “هو صورة الله غير المنظور (كولوسي 1: 15). يسوع يمثل الصّانع والخالق، الآب. يقول يسوع عن نفسه: “من رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 8-10). ويمثل يسوع أيضا البشر الذين يلعبون دور الزبون في العملية التجاريّة: “والكلمة صار جسدًا” (يوحنا 1: 14). يسوع هو الشّعار المطلق. كلّ ما نراه ونختبره فيه هو ما نعرفه عن الله.

اسمحوا لي أن أستفيض قليلًا في هذا الموضوع وأسأل من يمثّل يسوع على الأرض اليوم؟ الكنيسة، جسده. يقول بولس: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا” (1 كورنتوس 12: 27). يقول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي أنّ يسوع “هو رأس الجسد: الكنيسة” (كولوسي 1: 18). الكنيسة اليوم هي شعار يسوع. ما يراه النّاس ويختبرونه في الكنيسة سيؤثّر على كيفيّة رؤيتهم ليسوع. هذه مسؤوليّة كبيرة لا يمكننا الاستخفاف بها. قال أحدهم: “أناس كثيرون يأتون إلى المسيح بسبب المسيحيّين. وأناس كثيرون يتركونه بسبب المسيحيّين”.

ما هي السمة الأولى التي، عندما يراها النّاس في المسيحيّين أو في الكنائس، ستساعدهم على اختبار المسيح الحقيقي؟ ” وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضاً بَعْضُكُمْ بَعْضاً. بهَذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضاً لِبَعْضٍ».” (يوحنا 13: 34-35). ثمة العديد من الفضائل الجميلة الأخرى التي يحملها يسوع في طبيعته، مثل الاستقامة والعدالة والقداسة والصّلاح … ومع ذلك فقد اختار المحبّة لتكون الهويّة التي تمثّل حضور المسيح في حياتنا. لماذا؟ لأن الوصيّة الجديدة “المحبّة” تحدّدها محبّة المسيح نفسها. يجب أن نضع نفسنا من أجل إخوتنا وأخواتنا كما فعل هو (1 يوحنا 3: 16).

هل يمكن أن تعطي بعض الجماعات المسيحيّة النّاس اختبارًا مزيّفًا، وتتركهم خائبي الأمل في المسيح وفي عمل الإنجيل؟

إنّ المحبّة التي تحدّد الهويّة المسيحيّة هي شهادة قويّة للعالم. من خلال المحبّة يستطيع المسيحيّون أن ينقلوا إنجيل يسوع بصورة فعّالة، مجسدين الرّسالة التي يعلنونها. إنّ أساس المحبّة المسيحيّة متجذر بقوّة في تعاليم يسوع المسيح، الذي أكّد على المحبة باعتبارها أعظم وصيّة. يقول يسوع في إنجيل متّى: ” فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِك. هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ.” (متّى 22: 37-39). تلخّص هذه الوصايا جوهر المحبّة المسيحيّة، وتسلّط الضّوء على أهميّة محبّة الله وتوسيع نطاق هذه المحبّة للآخرين. يقول بولس: “بالمحبة اخدموا بعضكم بعضًا… فَإِذَا كُنْتُمْ تَنْهَشُونَ وَتَأْكُلُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، فَانْظُرُوا لِئَلاَّ تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً” (غلاطية 5، 13-16).

إنّ السمة الأولى، قبل كلّ شيء، الذي يجب أن يعرف به المسيحي هي المحبّة. ويتحقّق ذلك، وفقًا لبولس، من خلال السلوك بالروح. في رسالة يوحنا الأولى، يقول: “اَللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا” (1 يوحنا 4: 12). علاوة على ذلك، يقول يوحنا أنّ أبناء الله معروفون بمحبتهم لبعضهم البعض: “هَكذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ. كُلُّ مَنْ لاَ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ، وَكَذَا مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ” (يوحنا الأولى 3: 10).

يحذرنا كلّ من بولس ويوحنا في هذه الآيات ممّا يمكن أن نصبح عليه عندما لا يكون لنا محبة لبعضنا البعض. هل فقد بعض المسيحيّين والكنائس اليوم محبتهم الجاذبة؟ يمكن للتحزّب والصّراع والنزاع الذي لم يتم حلّه وإساءة استخدام القوّة والسّلطة والتّركيز على الذات أنّ تلتهم مجتمعاتنا، وبعد ذلك، للأسف، ستشكلّ هذه الأمور الشّعار الذي يمثّل المسيح للعالم.

في عالم تعدّد فيه أوجه الهويّات وتتحوّل باستمرار، يبقى جوهر ما يعنيه أن تكون مسيحيًّا متجذرًا في مبدأ واحد تحويلي: المحبّة. هويّة المسيحي ليست الطائفة أو الحزب السّياسي أو المؤسسة أو العرق أو اللون … المحبّة، كهويّة للمسيحي، ليست عاطفة أو شعورًا عابرًا، بل هي قوّة إرشادية تشكّل كلّ جانب من جوانب حياة المؤمن. إنّها تُحدث تغيّيرا في القلب، وتجديدًا للعقل، وإعادة توجيه أولويّات الحياة.

المحبّة هي الشّيء الوحيد الذي إذا فعلناها وطبعناها في هويتنا، لن تسقط أبدًا.

إن إعلان بولس أن ” اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداً. ” في رسالة كورنثوس الأولى 13: 8 هو بيان عميق يؤكّد على الطبيعة الدائمة والمتسامية للمحبّة في الإيمان المسيحي.

يخاطب بولس كنيسة كورنثوس، التي كانت تعاني من انقسامات وصراعات حول استخدام المواهب الروحيّة المختلفة وأهميّتها. في هذا الإصحاح، يسعى بولس إلى إعادة توجيه تركيزهم من المواهب نفسها إلى المبدأ الأساسي الذي يجب أن يحكم استخدامها.

يسلّط بولس الضّوء على أنّه في حين أنّ المواهب الروحيّة مثل النبوة والألسنة والمعرفة مهمّة، إلّا أنّها مؤقتة وجزئيّة. ستبطل هذه المواهب في النّهاية أو تصبح غير ضروريّة. في المقابل، المحبّة أبدية. يقول: “اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداً. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ” (1 كورنثوس 13: 8).

المحبّة هي التي تبني علاقات دائمة وتعزّز إحساسًا حقيقيًّا بالمجتمع. آثار المحبّة ليست عابرة بل تخلق روابط تصمد أمام التّجارب والتّحديات. هذه الصفة الدائمة للمحبّة تضمن عدم سقوطها أبدًا في تحقيق هدفها المتمثّل في الوحدة والبنيان المتبادل.

من هم أبناء الله اليوم؟ أين الشعارات المسيحية؟ هم الذين يلمعون خلال الحروب والانقسامات والكراهيّة والظلم والشرعيّة والعنصريّة … إنّهم يواجهون تحدي محبّة أعدائهم، كما أمر يسوع في الموعظة على الجبل: “أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” (متّى 5، 44). تتطلب هذه المحبّة الجذريّة قوّة ونعمة تأتي من الله، وتتحدى المؤمنين لتجاوز ميولهم الطبيعيّة ومعاييرهم المجتمعيّة.

في وسط عالم محتاج إلى المحبة، فإنّ المسيحيين مدعوون ليكونوا حاملين لهذه الطبيعة الإلهية، مجسدين الهوية التي تميّزهم وتوجّه الآخرين إلى مصدر كلّ محبة، الله نفسه (يوحنا 3: 16).

باسم ملكي هو مدير قسم التّدريب غير الرسمي وصنع السّلام في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

اترك رد