
هل الكتاب المقدّس واضح؟
18 يونيو، 2026
بولس الرسول وأرض الموعد
17 سبتمبر، 2026بقلم كميل ملك
يجد ابن أختي، الذي لم يتجاوز عمره السنة والنصف، متعةً لا توصف في انتعال أحذية الأفراد الكبار في العائلة. ومن الممتع أن تراقبه وهو يحاول أن يحافظ على توازنه، مرتديًا أحذيةً تبدو كالقوارب في قدميه الصغيرتين، فيسير بخطوات متعثّرة محاولًا ألّا يسقط. لكن، في المقابل، من المحزن أن نرى كم من البالغين لا يعرفون، أو بالأحرى لا يريدون أن يعرفوا، كيف ينتعلون أحذية الآخرين أي أن يضعوا أنفسهم مكانهم.
خلال السنوات القليلة الماضية، مررتُ بتجربة قاسية تعرّضت فيها للظلم. وقلت لنفسي إنّ هذه هي الحياة، وعليّ أن أواصل المسير، وهذا ما فعلته. لكن ذلك لم يكن أصعب ما في القصّة. فقد اكتشفت أيضًا أنّ بعض الأشخاص الذين كنت أظنّهم أصدقاء لم يتمكّنوا من أن يشعروا بالألم الذي كنت أعيشه. لم يدركوا عمق الجرح الذي كان يثقل قلبي، وكان هذا الأمر أشدّ إيلامًا بالنسبة إليّ من الظلم نفسه. كان من حولي يشجّعونني على تجاوز ما حدث، والثقة بالله، وترك الأمر وراء ظهري. وكنت أرغب فعلًا في أن أفعل ذلك كلّه لكي أستعيد سلامي، لكن ما كان يؤلمني هو أنّني لم أشعر بأنّ أحدًا يراني حقًا أو يفهم ما أمرّ به.
في السنوات الأخيرة، كثر الحديث عن الذكاء العاطفي (EQ)، ويُعدّ التعاطف أحد أبرز أركانه. ولطالما تساءلت: كيف يمكن للناس أن يُظهروا تعاطفًا حقيقيًا تجاه بعضهم البعض؟ يظن كثيرون أنّ التعاطف يعني مجرّد الشعور بالحزن أو الأسف من أجل الآخرين. لكن التعاطف أعمق من ذلك بكثير؛ فهو القدرة على أن يضع الإنسان نفسه مكان الآخر، وأن ينظر إلى العالم من منظاره، ثم يستجيب له بفهمٍ ورحمة. ومن خلال خبرتي الشخصيّة، تعلّمت أنّ الشعور بالتعاطف وحده لا يكفي إن لم يُعبَّر عنه. فعدم إظهار التعاطف للآخر يكاد يعادل عدم وجوده أصلًا، لأنّ الشخص المتألم يحتاج إلى أن يعلم أنّ هناك من يشعر معه ويحمل شيئًا من ألمه. وقد يكون من السهل أن نتعاطف مع من مرّ بتجربة اختبرناها نحن أيضًا، لكن التعاطف الحقيقي، وهو علامة على نضج الذكاء العاطفي، هو أن نستطيع أن نشعر بألم الآخرين أو فرحهم أو إحساسهم بالظلم، حتى وإن لم نعش ظروفًا مشابهة لما يعيشونه.
وأثناء تأملي في هذا الموضوع والصلاة بشأنه، كانت هناك قصّة كتابية محدّدة تعود إلى ذهني مرارًا وتكرارًا، وشعرت أنّ بإمكاني أن أتعلّم الكثير من الطريقة التي أظهر بها الرّب يسوع تعاطفه مع الآخرين. إنّها قصة المرأة التي كانت تعاني من نزف الدم منذ اثنتي عشرة سنة (مرقس ٥). كنت أعرف هذه القصّة طوال حياتي، لكن شيئًا فيها لفت انتباهي هذه المرّة بصورة مختلفة. فهذه المرأة، التي كانت منسيّة في أعين الناس وتُعدّ نجسة بحسب الشريعة، شُفيت في الحال بمجرّد أن لمست ثوب يسوع. وكان يمكن أن تنتهي القصّة عند هذا الحد، لكنّها لم تنتهِ هناك. كان بإمكان المرأة أن تعود إلى بيتها مملوءة بالفرح لأنّها شُفيت من نزفها بمعجزة عظيمة، لكن هذا لم يكن أوّل ما حدث. فعلى الرغم من أنّ يسوع كان في طريقه إلى بيت يايرس ليشفي ابنته، وهو أمرٌ كان يحتمل كلّ الاستعجال، إلّا أنّه توقّف، والتفت إليها، وأظهر لها أنّه يهتم بها. ومن المهم أن نلاحظ أنّه فعل كلّ ذلك بعد أن تمّت المعجزة! لقد أظهر لها تعاطفًا حقيقيًا؛ فقد كان يعلم تمامًا ما كانت تشعر به، وأدرك أن احتياجها لم يكن مجرد الشفاء الجسدي، بل أن تُرى، وأن تُستعاد كرامتها، وأن تنال السلام.
في أيّامنا هذه، أصبحنا جميعًا منشغلين إلى حدٍّ كبير، ومثقلين بمواعيد نهائية والتزامات لا حصر لها، حتّى إنّنا نشعر أحيانًا بأنّه لم يعد لدينا الوقت لنُصغي إلى الآخرين أو نشاركهم مشاعرهم. وبعبارة أخرى، لم يعد لدينا الوقت لنضع أنفسنا مكانهم. وبينما كنت أتأمّل في هذه الدروس التي يقدّمها لنا يسوع، بدأت أفكّر في دعوتي كمدرّس. فالفصول الدراسية مليئة بأشخاص يحملون أعباءً لا يراها أحد. وكثيرًا ما يقدّم لنا الطلّاب أعذارًا مشروعة لتأخّرهم في تسليم واجباتهم، لكن ما نسمّيه “المهنية” وما تفرضه علينا أنظمة العمل وإجراءاته لا يترك لنا، في كثير من الأحيان، مساحةً لنشعر بهم، أو لنستمع إلى آلامهم… لنبيّن لهم أنّنا نهتم بهم. إنّني أؤمن بأنّ الإنسان ومشاعره أهم من أي موعد نهائي، ومن هنا ولدت لديّ فكرة اتباع منهج تربوي يتمحور حول الإنسان والقلب، منهج يجمع بين الذكاء العاطفي والحفاظ على المهنية. ويمكن تلخيص هذا المنهج في الاختصار بالأحرف الأربعة في الإنجليزية ABTS، الذي يذكّرنا بما ينبغي أن نفعله كلّما واجهنا موقفًا يتطلّب التعامل مع مشاعر الآخرين وعواطفهم.
A ← اطلب الحكمة (Ask for Wisdom)
يذكّرنا الحرف A بأن نطلب الحكمة أوّلًا. فمن الضروري أن نتذكّر أنّنا بحاجة إلى أن نلجأ إلى الرّب بالصلاة، طالبين منه الحكمة في كيفية التعامل مع الآخرين والاستجابة لهم، حتّى نستطيع أن نميّز ما يكمن خلف المواقف من قضايا واحتياجات حقيقية، لأنّ الله، بحسب ما يقول الكتاب، “وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ” (يعقوب ١: ٥). ومع ذلك، ينبغي أن نؤكّد أنّ الحكمة في هذا السياق لا تنفصل عن العدل. فالمدرّس مدعو لأن يكون حكيمًا، لكنّه مدعو أيضًا لأن يكون عادلًا، فيحافظ على النزاهة الأكاديمية، وفي الوقت نفسه يُظهر النعمة.
B ← أحسن الظن (Benefit of the Doubt)
أمّا الحرف B، فيذكّرنا بأن نُحسن الظن بالآخرين أحيانًا، وأن نفترض أفضل الدوافع الممكنة وراء تصرّفاتهم. لكن هذا لا يكفي بمفرده، بل يجب أن يسبقه طلب الحكمة من الرب. وإذا كان الكتاب المقدّس يدعونا إلى محبّة القريب، فكم بالحري طلّابنا الذين أوكلهم الله إلى رعايتنا! وتتردّد في آذاننا كلمات الرسول بولس عن المحبة، إذ يقول إنها “تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” (١ كورنثوس ١٣).
T ← ثق بالله الثالوث (Trust God, the Trinity)
ويذكّرنا الحرف T بأن نثق بالله، إله الأقانيم الثلاثة. ففي مثل هذه المواقف، من المهم ألا “تَتَّكِلْ عَلَى فَهْمِكَ”، بل أن تثق بالربّ، عالمًا أنّه سيمنحك الأفكار والمشاعر والكلمات التي تحتاج إليها عندما تُصغي إلى الآخرين وتقرّر كيف تستجيب لهم، لأنّه “هُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ” (أمثال ٣: ٥–٦).
S ← أظهر التعاطف (Show Empathy)
وأخيرًا، يذكّرنا الحرف S بأن نظهر التعاطف. فالشعور بالتعاطف مع الآخرين شيء، والتعبير عنه لهم شيء آخر. لا يكفي أن نعلن اهتمامنا بالكلام، بل ينبغي أن تُترجم كلماتنا إلى أفعال ملموسة. ولهذا يحثّنا الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية قائلًا: “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ، وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رومية ١٢: ١٥).

في الختام، وكما توقّف يسوع من أجل امرأةٍ تجاهلها الجميع، لنتعلّم نحن أيضًا أن نُبطئ خطواتنا، وأن نلتفت إلى من حولنا، وأن نُشعرهم بأنّّهم مرئيون، ومقدَّرون، ومحبوبون.
كميل أكيلا ملك أستاذ في كلية اللاهوت المعمدانية العربية، كما يعمل معلّمًا لمادة الفيزياء ومنسقًا لقسم العلوم في الثانويّة الإنجيلية الوطنية – كفرشيما.





