حين تضع نفسك مكان الآخرين!

2 يوليو، 2026

دور الكنيسة تجاه مآسي العالم

1 أكتوبر، 2026

حين تضع نفسك مكان الآخرين!

2 يوليو، 2026

دور الكنيسة تجاه مآسي العالم

1 أكتوبر، 2026

بولس الرسول وأرض الموعد

بقلم داستن إلينغتون

قد تكون الحياة في لبنان، في ظلّ جولات القتال المستمرّة بين إسرائيل وحزب الله، باعثةً على التوتر والارتباك. والمشهد حافل بوقائع معقّدة لن أدّعي أنني سأعالجها هنا. بل أودّ أن أتناول بمسؤولية مسألةً واحدة تكمن وراء الكثير ممّا يجري في لبنان والمنطقة، وهي: كيف يقرأ المسيحيون الكتاب المقدّس في ما يتعلّق بأرض الموعد؟

لنبدأ بخلفية بسيطة: يحتلّ وعد الأرض وعطيّتها مكانةً محورية في العهد القديم. فلم تكن الأرض مجرّد رقعة جغرافية، بل الموضع الذي سيعيش فيه إسرائيل، شعب عهد الله، في حضرته. وقد أخرج الله إسرائيل من العبودية وأدخله إلى الأرض لكي يعيش تحت سلطانه، ويعبده، ويشهد له بين الأمم.

لكن كيف نفسّر هذا الوعد بعد موت يسوع وقيامته، حين امتدت الكنيسة لتشمل الأمم وكُتب العهد الجديد؟

أُقِرّ بأنّ مسائل التفسير هذه معقّدة. ومع إدراكي لخطر التبسيط المفرط، سأعرض المسألة في خيارين رئيسيين: هل نقرأ وعود العهد القديم المتعلّقة بالأرض كما هي، فنفهمها فهمًا حرفيًا مباشرًا، كما يفعل كثير من المؤمنين الذين ينتقلون مباشرةً من العهد القديم إلى مطالبات معاصرة متعلّقة بالأرض؟ أم نسترشد بكتّاب العهد الجديد ونفسّر هذه الوعود من خلال المسيح، بوصفها قد تحقّقت في المسيح، ما يقود المسألة في اتّجاه مختلف؟

وللتوضيح، لا يدور هذان الخياران حول مَن يهمّه المسيح ومَن لا يفعل؛ فالمؤمنون الذين يتبنّون وجهات نظر شديدة الاختلاف في هذه المسألة هم أتباع جادّون ليسوع. إنّما سؤالي هو: هل نأخذ وعود العهد القديم بشأن الأرض بحسب معناها الظاهر، أم نتعامل معها بالطريقة التي يقاربها بها العهد الجديد؟ يتبنّى هذا المقال الخيار الثاني.

لنبدأ بالإقرار بأنّ الغالبية الساحقة المسيحيين اليوم، ليسوا يهودًا؛ لذلك فهم لا يقرأون التناخ، أي الأسفار العبرية، بمعزل عن إيمانهم المسيحي، بل في ضوئه. فنحن نتلقّى ما نسمّيه العهد القديم بوصفه كلمة الله لنا بسبب إيماننا بيسوع المسيح؛ فهو صلتنا بالأسفار العبرية. وبالنسبة إلى الذين كتبوا العهد الجديد لتعليم المسيحيين الأوائل، فإنّ حقيقة ارتباط المؤمنين من الأمم بالعهد القديم من خلال يسوع المسيح وحده تترك آثارًا عميقة في كيفية قراءة وعود العهد القديم.

ولكي أبقي هذا المقال موجزًا، لن أقدّم مسحًا للعهد الجديد كلّه، بل سأركّز على بولس الرسول. وهذا يتيح لنا أن نتعمّق في فكر أحد أبرز كتّاب العهد الجديد، بدلًا من الاكتفاء باقتباس آيات متفرّقة بوصفها نصوصًا إثباتية.

قال بولس: “لأَنْ مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ اللهِ فَهُوَ فِيهِ «النَّعَمْ» وَفِيهِ «الآمِينُ»، لِمَجْدِ اللهِ، بِوَاسِطَتِنَا.” (٢ كورنثوس ١: ٢٠). تلخّص هذه العبارة نهج بولس؛ إذ فهم أنّ وعود الله في العهد القديم قد تحقّقت بأمانة في يسوع المسيح.

ماذا كان يمكن أن يقصد بولس بهذه العبارة في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس؟ يعطينا بعض الدلالات. فعلى الرغم من أنّ يسوع وتلاميذه الأوّلين كانوا يهودًا، كان بولس، حين كتب هذه الكلمات، يخاطب أساسًا مسيحيين من الأمم يعيشون في كورنثوس القديمة. ويقول أيضًا إنّ “لنا هذه المواعيد” (٢ كورنثوس ٧: ١)، أي لنا نحن المؤمنين من الأمم، مثل أهل كورنثوس. ويعرّف بولس هؤلاء المؤمنين بيسوع المسيح بأنّهم هيكل الله الجديد (٢ كورنثوس ٦: ١٦؛ انظر زكريا ٢: ١٠-١١ وإشعياء ٥٦: ٣-٨ للاطلاع على أساس فكر بولس). غير أنّ الفكرة أوسع من ذلك. فهو يسمّي أيضًا أسلاف العهد القديم “آباءنا” (١ كورنثوس ١٠: ١)؛ أي إنّ بولس يعلّم المؤمنين من الأمم أنّهم، من خلال المسيح، صاروا ورثة أسفار إسرائيل ووعود الله.

ومع ذلك، لا يخلص بولس إلى أنّ أرض الموعد تخصّ المسيحيين.

في الواقع، على الرغم من وجود ثلاث عشرة رسالة في العهد الجديد تحمل اسم بولس، لا نجده يذكر وعد الأرض. وهذا الصمت بالغ الدلالة.

يقول بعضهم إنّ بولس لا يذكر أرض الموعد لأنه يفترض أنّ العهد القديم قال بالفعل كلّ ما يلزم قوله. وهذا مستبعد جدًا، لأنّ بولس يقدّم لنا دلائل تشير إلى أنّه يعيد تفسير المعنى المباشر لوعد الأرض في العهد القديم.

يقول بولس في رومية ٤: ١٣: ” لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ”.

يعلّم العهد القديم أنّ الله أعطى إبراهيم أرض إسرائيل وأنّ نسله سيرث تلك الأرض. لكنّ إدخال بولس كلمة “العالَم” (كوسموس) حيث كنّا نتوقّع كلمة “الأرض” يبيّن سبب إبدائه اهتمامًا محدودًا نسبيًا بأرض إسرائيل. فقد تحوّل فهم بولس للوعد من رقعة أرض محدّدة إلى العالم كلّه، بما ينسجم مع جزء الوعد الذي يقول إنّ الله سيبارك الأمم من خلال إبراهيم (تكوين ١٢: ٣؛ ١٨: ١٨؛ ٢٢: ١٨).

وهكذا نجد في رسائل بولس ما يدلّ على أنّه كان يسعى للوصول إلى روما، مركز العالم المعروف آنذاك، لكي ينشر الإنجيل منها. وتميل رسائل بولس، والعهد الجديد عمومًا، إلى نقل الأهميّة بعيدًا عن أورشليم القديمة وأرض إسرائيل، مع تأكيدها في الوقت نفسه أنّ الإيمان المسيحي متجذّر في إسرائيل القديمة والعهد القديم.

وفي رومية ١٥: ٥-١٢، يجذّر بولس دعوته إلى إيصال الإنجيل إلى الأمم في مجموعة واسعة من أسفار إسرائيل: التثنية والمزامير وإشعياء. فالرسالة العالمية الموجّهة إلى الأمم تنبثق من العهد القديم. وهكذا نرى أنّ قراءة بولس لأسفار إسرائيل من خلال المسيح متعدّدة المستويات؛ فهو يتناول بعض العناصر بصورة مباشرة نسبيًا، مثل الرؤية النبوية للأمم، بينما يفسّر جوانب أخرى تفسيرًا روحيًا أو مجازيًا بدرجة أكبر.

تؤكّد رسالة بولس إلى غلاطية وعد الله لإبراهيم، لكنها تُبرز إعادة بولس تفسير الوعد الموجّه إلى “نسل” إبراهيم بصيغة المفرد، إذ يحدّد هذا النسل الواحد بأنّه المسيح (غلاطية ٣: ١٦). لا يذكر بولس الأرض، بل يتحدّث عن “موعد الروح” (٣: ١٤). فنحن الذين نؤمن بيسوع ننال الروح القدس والتبنّي؛ ونصير أبناء الله وورثته (٣: ٢٦). وهكذا يستخدم بولس لغة الميراث في مخاطبة قرّائه المسيحيين من الأمم، ويقول لهم إنهم أبناء إبراهيم، وأبناء الموعد وورثته بالإيمان بيسوع المسيح (٣: ٢٩).

ويؤكّد بولس أمرًا مشابهًا في رومية ٨، إذ يقول إنّ المؤمنين وارثون مع المسيح (الآية ١٧). وبدلًا من ذكر الأرض، يؤكّد أنّ الخليقة كلّها ستُعتق (٨: ١٩-٢٣). وهنا أيضًا نرى انتقال بولس من وعد العهد القديم برقعة أرض محدّدة إلى رؤية تشمل العالم كلّه (انظر إشعياء ٦٥: ١٧ للاطلاع على أساس لفكر بولس).

غير أنّ بولس يُظهر اهتمامًا عميقًا باليهود أبناء شعبه. وتُعدّ رومية ٩-١١ نصًا مشهورًا بتعقيده، يؤكّد فيه بولس أمانة الله لليهود. بل يقول إنّ هبات الله ودعوته لهم لا يمكن الرجوع عنهما (١١: ٢٩)، ولعلّ هذه هي العبارة التي يعتمد عليها مفسّرو الصهيونية المسيحية أكثر من سواها في رسائل بولس، مع أنّ الأرض نفسها غائبة بصورة لافتة عن رومية ٩-١١. ويساعدنا هذا المقطع الطويل على إدراك أنّ بولس لا يعتقد أنّ الكنيسة، التي أخذت تضمّ أعدادًا متزايدة من الأمم، قد أزاحت شعب إسرائيل. كما أنّ وعود الله لإسرائيل لم تفشل ولم تُبطَل.

فالواقع ليس إحلال شعب محلّ آخر، بل استمرارًا لوعد الله واتّساعًا هائلًا ليشمل شعبًا واحدًا، يعبد فيه اليهود والأمم الله معًا، بوصفهم إسرائيل واحدة منتشرة في أنحاء العالم (رومية ١٠: ١٨)، كشجرة زيتون عظيمة واحدة طُعّمت فيها أغصان جديدة، أي المؤمنون من الأمم (١١: ١٢، ١٥، ١٧-٢٣). ويترك لنا بولس أيضًا سرًا حين يقول: “وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ” (١١: ٢٦). وثمّة نقاش حول ما إذا كانت هذه الآية تعني جماعة اليهود والأمم المؤمنين معًا، أم إسرائيل العرقية وحدها بوصفها كيانًا قائمًا بذاته. ولا يقدّم بولس تفاصيل عن كيفية حدوث هذا الخلاص أو توقيته، لكنه يرى فيه جزءًا من أمانة الله لليهود، مع تمسّكه، في السياق الأوسع، بأنّ كل من يدعو باسم الرب يسوع يخلص (١٠: ٩، ١٣؛ ١١: ٢٣).

ولو أردنا أن نزيد شرح موقف بولس من أرض الموعد، لأمكننا أن نستكشف مفهوم الكنيسة بوصفها جسد المسيح وموضع حضور الله على الأرض، على ما يبدو بدلًا من الهيكل والأرض (رومية ١٢: ٥؛ ١ كورنثوس ٣: ١٦؛ ١٢: ٢٧؛ أفسس ٣: ٦؛ ٤: ١٢). ويحدّد بولس أجساد المؤمنين، ومعظمهم من الأمم في السياقات التي يكتب إليها، بوصفها الموضع الجديد لسكنى الله بالروح القدس (١ كورنثوس ٦: ١٥، ١٩). وطريقة التفكير المشابهة هذه هي التي تقود يسوع إلى أن يقول للمرأة السامرية: ” تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ” (يوحنا ٤: ٢١). ولماذا؟ لأنّ مجيء يسوع وموته وقيامته جعل أهمية أورشليم وأرض إسرائيل نسبية وقلّلها بصورة جذرية. فبالنسبة إلى بولس، لم تعد هذه الأمكنة المادية موضع حضور الله.

ومع أنّ العهد الجديد يؤسّس تعليمه في العهد القديم، فهو لا يمنح رقعة أرض بعينها أولوية تُذكر، إن منحها أيّ أولوية، بالنسبة إلى شعب الله. وبدلًا من ذلك، يوجّه أنظار المؤمنين إلى العالم كلّه. فلا يُنفى وعد الأرض، بل يتّسع ليشمل بقية العالم، الذي ينبغي أن تبلغه رسالة الإنجيل وحضور المسيح (رومية ١٥: ١٩-٢٣؛ ٢ كورنثوس ٥: ١٩؛ غلاطية ٣: ٨).

ليس هدفي هنا أن أدّعي معالجة كل ما قد يشكّل اختلاف آراء المسيحيين في دعم دولة إسرائيل الحديثة. وثمّة مسائل أخرى كثيرة ذات صلة بتفسير أرض الموعد، منها: ماذا تعني المساءلة في ما يتعلّق بالأرض؟ ما هي حدود الأرض بحسب الكتاب المقدّس؟ مَن هو إسرائيل؟ وكيف يتعامل باقي العهد الجديد، خارج رسائل بولس، مع وعد الأرض؟

لقد حاولت فحسب أن أطرح أسئلة وأزرع بذورًا تدفع المؤمنين إلى التوقّف وإدراك أنّ الشواهد المستمدّة من بولس تشير إلى فهم للوعد يختلف عمّا يروّج له أصحاب منهج التحقيق الحرفي لوعد الأرض في العهد القديم. فقد قرأ كتّاب العهد الجديد وعد العهد القديم بشأن الأرض على ضوء اختبارهم للمسيح القائم، ما قادهم إلى طريقة مختلفة في تلقّي وعود العهد القديم.

أدعو إخوتي المؤمنين إلى الاسترشاد ببولس وغيره من كتّاب العهد الجديد فيما نفسّر الوعود المتعلقة بالأرض الواردة في العهد القديم. وعلى أقل تقدير، لعلّ هذا المقال يساعد المسيحيين الذين يأخذون وعود الأرض حرفيًا على فهم أحد الأسباب المهمة التي تجعل كثيرًا من إخوتهم المسيحيين لا يتبنّون الرأي نفسه أو لا يمنحون المسألة الأولوية نفسها. إنّ المقاربة المسيحية المسؤولة تجاه إسرائيل الحديثة ينبغي أن تأخذ في الاعتبار كيفية تفسير العهد الجديد لوعود الأرض الواردة في العهد القديم. وقد يساعدنا ذلك على تجنّب تحويل الوعود الكتابية تلقائيًا، ومن دون نقد، إلى مطالبات سياسية بشأن دولة إسرائيل الحديثة. ويمكن أن يسهم تجنّب ذلك، في نهاية المطاف، في بلورة سياسات أكثر عدلًا ومنطقة أكثر عدلًا، بل ربما يجعل رسالة الإنجيل أكثر صدقية.

داستن إلينغتون أستاذ مشارك في العهد الجديد في كلية اللاهوت المعمدانية العربية. وقد نُشرت مقالاته عن رسائل بولس في مجلة الأدب الكتابي ومجلة دراسات العهد الجديد، إلى جانب دوريات أخرى.

اترك رد