بولس الرسول وأرض الموعد

17 سبتمبر، 2026

بولس الرسول وأرض الموعد

17 سبتمبر، 2026

دور الكنيسة تجاه مآسي العالم

ناردين سامي

“أيُّ امرأةٍ تريد أن تلد في الشارع؟ أيُّ امرأةٍ تقبل أن تضع طفلها هنا؟ أخاف من ساعة الولادة… كيف سأُحضر ابني إلى هذا المكان؟ هذا هو طفلي الأول.”

بهذه الكلمات عبّرت شابة نازحة، في العشرينات من عمرها وفي شهرها الأخير من الحمل، عن خوفها العميق من المستقبل المجهول. منذ بداية الحرب الأخيرة، تعيش هذه الشابة في خيمة بالكاد تصلح للجلوس، لكنها رغم ذلك تحتضنها هي وجنينها. عندما سألها المراسل عن حالها، لم تجد هذه الشابة إلا كلمات خالية من أي رجاء لتعبر عن معاناتها كشابة لا مأوى لها ولا سند، تبكي بحرقة خوفًا من المستقبل، ومن مصير هذا الجنين الذي لا تعلم إن كان ميلاده مدعاة للفرح أم مأساة على وشك الحدوث.

هذه القصة ليست استثناءً، بل هي واقع يتكرر في عالمنا العربي. قصة إنسان يشعر أنه بلا مكان في هذا العالم، ولا مكان لمن سيأتي بعده. حيث يتحول ما يُفترض أن يكون فرحًا إلى عبء ثقيل. أمام هذه المآسي، لا يمكننا ألا أن نطرح التساؤل الأصعب كمؤمنين في عالم منكسر: ما هو دور الكنيسة تجاه مآسي العالم؟ ما هو دورنا تجاه مأساة هذه الشابة وجنينها؟

إبقاء النظر على الإله الذي أخلى نفسه

العقيدة المسيحية عقيدة ثورية، تقدم صورة غير مألوفة، وربما غير مستساغة عن الله، خاصة في مجتمعاتنا العربية، التي نشأت فيها الغالبية بتصور ذهني عن الله كإله مُحتَجِب عن خليقته. أما الإيمان المسيحي فيقدم لنا صورة مغايرة تمامًا، وهي صورة الإله الغني، الذي لا يحتاج إلى شيء، ومع ذلك اختار بإرادته أن يفتقر ويتنازل عن مجده ليقترب من الإنسان: “فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ..” (2 كو 8: 9).

قد تبدو هذه الحقيقة بديهية لنا كمؤمنين، لكن التأمل العميق في صفات هذا الإله، وفي الطريقة التي دخل بها إلى عالمنا، يغير نظرتنا للواقع. فالرب يسوع لم يأتِ كملك أرضي تحيط به مظاهر الكرامة، بل دخل إلى عالمنا في أقصى حالات التواضع والضعف. وُلد في ظروف قاسية، تشبه إلى حدٍ كبير ظروف جنين تلك الشابة النازحة، كما يصفها لوقا البشير بهذه الكلمات: “وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ.” (لو 2: 7)

عندما شاهدت مقابلة الشابة النازحة، عاد هذا المشهد الكتابي إلى ذهني. مريم، أم شابة، تقف وحدها، تلد ابنها بلا مأوى ولا سند، في ظروف تبدو، ظاهريًا، خالية من الرجاء. يصف الأب “متى المسكين” هذه اللحظة في تفسيره لإنجيل لوقا بهذه الكلمات: “قلبي على هذه الأم الوحيدة، كيف احتملت المخاض وحدها؟ كيف استقبلت الطفل بيديها؟ كيف قمَّطته وهي منهوكة القوى؟ ماذا شربت وماذا أكلت؟ هكذا استقبل العالم “المسيَا” الموعود رجاء كل الدهور، نور إعلان للأمم في مذود للبهائم”[1]

أخلى إلهنا نفسه لأجل البشر، لأجل كل منسحق، لأجل كل من لا مكان له في هذا العالم، لأجل تلك الشابة وجنينها. ليعلن أن رجاء العالم يمكن أن يولد حتى في أحلك الظروف. ميلاد المسيح ليس مجرد قصة، بل هو إعلان لاهوتي عميق: الله اختار بمحض إرادته أن يدخل إلى قلب الآلام البشرية، لا أن يبقى بعيدًا عنها. لذلك، إن أرادت الكنيسة أن تفهم دعوتها حقًا، فعليها أن تثبّت نظرها على هذا الإله. الإله الذي لم يكتفِ برؤية الألم من بعيد، بل اقترب، وسكن فيه، مُتحدًا بكل متألم. ومن هنا، يصبح كل إنسان بلا مأوى، بلا رجاء، موضع لقاء مع المسيح نفسه.

إخلاء الذات في حياة الكنيسة اليوم

إخلاء الذات ((Kenosis تعبير لاهوتي مهم جدًا لإدراك عُمق محبة الرب للإنسان في المسيحية. إخلاء الذات لا يعني أن الرب أثناء تجسّده فقد لاهوته أو سلطانه، بل يعني أنه اختار طوعًا أن يفرغ نفسه من مظاهر الألوهة والأمجاد المنظورة لصالح الإنسان، كما أعلن الرسول بولس قائلًا: “لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.” (في 2: 7). مُظهرًا قلب العقيدة المسيحية، التي تنازل فيها السيّد وأخذ صورة عبدٍ، متخليًا عن كل مظاهر المجد، ليقترب إلى العبيد ويفتديهم.

يطرح هذا الإعلان اللاهوتي على الكنيسة السؤال الأصعب: هل تحيا الكنيسة اليوم حياة الإخلاء التي عاشها سيدها؟ هل تجرد الكنيسة نفسها اليوم من مظاهر المجد لخلاص العالم؟ من التوجهات الخطرة التي تكشف لنا إجابة هذين السؤالين هي الحياة التي يحياها نسبة كبيرة من المؤمنين اليوم، وهي الحياة المتمركزة حول الذات، الحياة التي تتربع فيها ذات الإنسان على العرش، وهي مُمجّدة، بينما لا يجد الرب موضعًا له بها.

 هذه النوعية من الحياة تناقض حياة التبعية وإنكار الذات التي دعانا الرب إليها: “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ…” (لو 9: 23). الشرط الأول الذي وضعه الرب لكل من يريد أن يتبعه، هو إنكار الذات، أي أن يحيا الإنسان حياة الإخلاء. حياة يتحرر فيها الإنسان من عبودية الذات، يتنازل فيها عن جميع مظاهر المجد والرفعة، بل ويبذل فيها نفسه لأجل الاخرين. يصف الأب متى المسكين هذه النوعية من الحياة، التي يجب أن نحياها كمؤمنين، تابعين لخطى المسيح بهذه الكلمات: “السير وراء المسبح لا يُقتحم اقتحامًا، ولا يُنال بحياة الليونة والترف، ولا بمجرد الصلوات وممارسة العبادة الطقسية، ولكنه يستلزم أولًا إنكارًا للنفس، أي تجريدًا للذات من كل عوامل الظهور والمجد الباطل.”[2]

 لا يمكن للمؤمنين أن يحيوا هذه الحياة بصدق، إلا عندما تنزل الذات من على العرش، ويسود الرب عوضًا عنها. ولا يمكن أن تتنازل الذات عن سيادتها في حياة الإنسان، إلا عندما يختار الإنسان أن يبذلها طوعًا؛ ليُظهِر في حياته بهاء المسيح: “يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ.” (يو 3: 30).

أمام هذا التحدي، تظهر فجوة كبيرة بين اللاهوت النظري وبين الممارسة العملية في حياة الكنيسة اليوم، حيث يظهر ميل كبير بين المؤمنين تجاه الخدمات المُبَجًّلة بالوسط الكنسي، مثل: الوعظ أو القيادة…بينما يقل هذا الميل بشكل ملحوظ بين المؤمنين تجاه الخدمات التي لا تحظى بنفس التقدير والاحترام، مثل: خدمة المُدمِنين، المُشرَّدين والمُهمَّشين اجتماعيًا.  يكشف هذا التباين عن تحدٍ أصعب يواجه الكنيسة اليوم، وهو أن لاهوت الإخلاء شعار رنَّان تتغنى به الكنيسة، لكنها لا تحيا بموجبه في كثير من الأحيان.

الخروج إلى العالم بالدوافع الصحيحة

من التحديات الأخرى التي واجهت بعض الخدمات الكنسية مؤخرًا، هي توجه البعض لإثبات صحة معتقدهم في ظل الأزمات الإنسانية، معتبرين أن مأساة البشر فرصة لانتصار العقيدة. على الرغم من الوقت والجهد الذي تكرسه هذه الخدمات، إلا أنها تقدم نموذجًا منفصلًا تمامًا عن المثال الذي قدمه الرب يسوع في خدمته. فالرب لم يستغل ضعف الإنسان يومًا ليفرض فكرة، ولم يتعامل مع الألم كمنبر لإثبات الحق، بل اقترب من المتألمين، واحتضنهم برحمته الفائقة. مشيئة الرب من تواجد المؤمنين في العالم ليست “الانتصار الفكري”، بل أن يُعلن قلب الرب تجاه البشر في عالم منكسر. مشيئة الرب لنا اليوم ليست الدخول في صراعات على حساب الإنسان، بل أن نُظهر أحشاءه، قلبه المملوء رحمة، في عالم يكاد يجف من المحبة، عالم يتوق، دون أن يدري، إلى قلب يسوع المسيح.

لذلك، لا يجب أن تكتف الكنيسة بالخروج إلى العالم، بل يجب أن تهتم بما يدفعها للخروج. هل تخرج الكنيسة اليوم لأنها تظهر قلب سيدها تجاه كل متألم، أم لأنها تبحث عن فرصة للانتصار متخفية تحت ستار الخدمة؟ يعلن لنا الرب في كلمته الدافع الصحيح الذي يجب أن تخرج الكنيسة وتحتضن المتألمين لأجله: “لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي…كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي….” (مت 25: 35-36). في هذا الإعلان، يكشف المسيح أن آلام البشر ليست منفصلة عنه، بل متحدة به. كل فعل رحمة يُقدَّم للمنسحقين هو، في حقيقته، فعل مُقدَّم إليه. لذلك، يجب أن تخرج الكنيسة إلى العالم لأنها ترى في وجه كل إنسان متألم، في وجه هذه الشابة وجنينها، وجه يسوع المسيح نفسه.

من هنا، تصبح مهمة الكنيسة أمام هذه الشابة وجنينها، أمام كل متألم في سياقنا العربي، أن تكون صورة حيّة للإنجيل: صورة حية لإله يشعر بألم البشر لأنه اختبره، وبذل نفسه لأجلهم لأنه يحبهم حتى المنتهى: “بِهَذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ.” (1 يو 3: 16).

لا تقتصر هذه الدعوة على وضع النفس لأجل الأخوة المؤمنين فحسب، بل هي دعوة تمتد من داخل أسوار الكنيسة، حيث يتعلم المؤمنون أن يحبوا بعضهم بعضًا كجسد المسيح، إلى أقاصي الأرض، حيث يسعى المؤمنون لإعلان هذه المحبة أمام كل من لم يختبرها بعد. فدعوة الكنيسة الأهم، أمام مآسي العالم، هي تحويل اللاهوت النظري إلى ممارسة عملية تغير واقعها؛ فتبذل نفسها لأجل الآخر، كما بذل المسيح نفسه لأجلها. تخلي ذاتها من كل مجد ظاهري، كما أخلى سيدها نفسه من المجد واتضع ليتحد بكل متألم. دعوتنا ليست التأمل في هذه المحبة فحسب، بل أن نطلب من الله أن يوسِّع قلوبنا؛ لتحتضن كل متألم وكل منكسر، كما سبق واحتضننا الرب بنعمته الغنية.

 

 ناردين سامي من مصر، طالبة في برنامج البكالوريوس  في اللاهوت في كلية اللاهوت المعمدانية العربية، والفائزة بمسابقة غسان خلف لعام 2026.

[1] متى المسكين، الإنجيل بحسب القديس لوقا: دراسة وتفسير وشرح. ط1 (وادي النطرون: مطبعة دير القديس الأنبا مقار، 1998)، 125.

[2] متى المسكين، مع المسيح في آلامه وموته وقيامته. ط1 (وادي النطرون: مطبعة دير القديس الأنبا مقار، 1961)، 196.

اترك رد