هيئة التدريس ودورها المحوريّ في برنامج التعلّم الهجين الناشئ في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة
سبتمبر 16, 2020

ابتكار وتعاون: القصة مستمرّة

بقلم ايلي حدّاد
اكتوبر/تشرين الاول ٢٠٢٠
الفصل الخامس

إذا لم يسبق لك أن تابعت قصّتنا التي تنكشف فصولها واحد تلو الآخر حول التوجّه الاستراتيجي الجديد لكليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، فيمكنك قراءة الفصول الآنفة هنا.

بالعودة إلى نيسان/أبريل 2020، حينها كان لا بدّ من الاستجابة للأزمات المتفاقمة التي تعطّل سير عمليّاتنا، وسرعان ما أدركنا آنذاك أنّ هذه هي العاصفة المثاليّة التي سيستخدمها الله ليدفعنا لمعالجة الأسئلة التأسيسيّة التي تحكم خدمتنا. علمنا أنّ الوقت قد حان لإعادة اكتشاف المهمّة التي يعطينا إيّاها الله لهذا الموسم الجديد، وتحديد الأساسيات التي نحتاج إلى التمسّك بها، والاستعداد لإجراء بعض التغييرات المربكة. وأدركنا أنّ كلّ هذا يجب أن يحدث في إطار من حسن التمييز الجماعي، أن نميّز معًا كجماعة كيف يقوم الله بصقل دعوتنا. وفي إطار هذه العمليّة الجماعيّة، أدركنا أنّ الابتكار والتعاون هما عنصران رئيسان يجب أن يواكبا هذا الموسم الجديد. في هذا الفصل من القصّة، أريد أن أفصّل ما يعنيه الابتكار والتعاون بالنسبة لنا في هذه المرحلة.
العنصر الأوّل هو الابتكار، وهو ليس بالأمر الجديد بالنسبة لكليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. لقد بتنا نُعرَف كمختبر للأفكار الجديدة. لم ننوِ الشروع في الابتكار. ما حدث هو أنّنا كثيرًا ما نواجه تهديدات أو فرصًا لا نعرف حلّها. لم نتمكّن من نسخ حلول الآخرين ولم تكن لدينا معايير واضحة لاختيار أفضل مسار. كان علينا ابتكار إجاباتنا الخاصّة. وهذا ما أدّى إلى نشوء ثقافة المجازفة التي تغلغلت في جميع عمليّاتنا على كافّة الأصعدة. وبالتالي بتنا توّاقين لتجربة مناهج وأساليب جديدة ولا نخشى إعادة النظر بطريقة عملنا حين تستدعي الحاجة. من أبرز مجالات الابتكار في كليّتنا تصميم المناهج، تقييم النتائج، الحوار بين الأديان، ومبادرات بناء السلام. أمّا التحديات الجديدة التي لا ينفكّ عام 2020 على طرحها فهي تجبرنا أن نرتقي إلى المستوى التالي من الابتكار. وما مكّننا من القيام بذلك هو ثقافتنا في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وتاريخنا الحافل بالابتكار. فنحن يمكنّنا أن نستفيد ممّا يسمّيه جيم ماكلفي 1 "تراكم الابتكار". إنّها المجموعة الناجحة من الابتكار المتداخل والابتكار المستقل. إنّه تراكم الحلول المبتكرة على مرّ السنين، والسعي المتكرّر لاتباع مسارات جديدة بدون خريطة واضحة، هذا ما يعدّنا جيدًا للابتكار على نطاق أوسع.

وبينما نسمح للابتكار أن يساعدنا في تشكيل طريقنا للسير قُدُمًا، فنحن بحاجة إلى التفكير في الاحتمالات والمطبّات. بادئ ذي بدء، الابتكار هو الاستغلال الناجح للأفكار الجديدة. يتطلّب الإبداع في التصميم والمهارة في التنفيذ. غير أنّه يتطلّب أيضًا فهمًا جيدًا للمشكلة التي نريد معالجتها أو الفرصة التي نريد اقتناصها. فثمّة إغراء في أن يسعى المرء إلى الابتكار لغاية الابتكار فقط. عندها يتحوّل الابتكار تهديدًا. يجب أن يكون الابتكار استجابةً أو توقعًا لحاجةٍ أو فرصة. خلاف ذلك، يبيت الأمر متمحورًا حولنا بدلاً من أن يكون محوره استكشاف أكثر الطرق أمانةً لخدمة الله.

قد يؤدّي الابتكار أيضًا إلى الكبرياء. أيّ نجاح قد يؤدّي إلى الكبرياء. غير أنّه في الوقت نفسه، أعتقد أنّ الابتكار يتطلّب الكثير من التواضع. يتطلّب الأمر تواضعًا لكي تكون على استعداد لتجربة شيءٍ جديد قد يفشل. لن تنجح كلّ الأفكار الجديدة. يقودنا التواضع إلى التعلّم ممّا يفعله الآخرون والبناء عليه بدلاً من إعادة اختراع ما تمّ اختراعه آنفًا.

الابتكار لا يعني أن نأخذ الأمور على عاتقنا. إذا كنّا نؤمن أنّنا في حقل خدمة الله، فيجب أن يكون الله دائمًا في الوسط. يجب أن يكون الابتكار في منظّمة أو مؤسّسة متمركزة حول الله دائمًا استجابةً لدعوة الله لنا للقيام بالأمور على نحوٍ مختلف، لنكون أكثر ملاءمة وفعاليّة في عالمٍ متغيّر. هذا ما سمّته بام أرلوند بالابتكار المقدّس في ندوة محادثات الشرق الأوسط عبر الإنترنت في أيلول/سبتمبر الماضي، "العصف الذهني بالروح القدس". منطلق هذا الابتكار المقدّس هو أنّ الله لا يرشدنا بإعطائنا مخطّطًا مفصّلًا. بل يرشدنا بإعطائنا هدفًا، بإعطائنا رؤية. وبالتالي، يقودنا الابتكار حتمًا إلى أماكن لا خريطة فيها ولا مخططَ.

علاوةً على ذلك، قد يُساء فهم الابتكار أحيانًا بحيث يتمّ التركيز على أحدث التقنيات، فإذا لجأنا إلى أحدث بدعة تكنولوجية، نكون إذًا مبتكِرين. التكنولوجيا ليست غايةً في حدّ ذاتها. غالبًا ما تكون الحلول المبتكرة حلولًا بتقنية بسيطة وغير مكلفة. الابتكار ليس إيجاد الحلّ الأكثر تقدمًا وتعقيدًا. بل هو إيجاد الحلّ الأكثر عمليّةً وكفاءةً وفعاليّة.
 
 
وفيما نشرع في تصميم برنامجنا الجديد للموسم الجديد، إليكم المجالات التي نكتشف أنّنا بحاجة إلى الابتكار فيها. نحن بحاجة إلى الابتكار في طريقة تقديم منهجنا عن بُعد بحيث نقدّم البرنامج نفسه ذات الجودة العالية والشمولي والتكاملي والسياقي الذي اعتدنا عليه. نحن بحاجة إلى الابتكار في كيفية تقديم برنامجنا للقادة دون مطالبتهم بترك خدماتهم أو وظائفهم. ويلزمنا الابتكار في كيفية صياغة العناصر التشكيليّة وغير الرسميّة في المنهج. وكذلك ثمة حاجة للابتكار في كيفية توفير الموارد الرقمية باللّغة العربيّة كأدوات للبحث الجيّد. ناهيك عن الابتكار في كيفية تطوّر دور أعضاء هيئة التدريس. والابتكار في كيفية الاستفادة من التكنولوجيا. والابتكار في تطوير نموذج جمع التمويل وهيكلية مؤسّستنا. وحتمًا الابتكار في كيفية التعاون والاستفادة من الشراكات والعلاقات.

وهذا ما يوصلنا إلى العنصر الثاني، التعاون. لقد تعلّمنا تقدير الشراكات في كليّتنا. نحن نعلم أنّه لا يمكننا تحقيق دعوة الله لنا من دون تمكين شركائنا ذوي الموارد الوافرة، ولا يمكننا تدريب قادة فعّالين للكنيسة العربيّة دون الشراكة مع الكنيسة. نحن الآن بحاجة لأن ننتقل إلى المستوى التالي. نظرًا لأنّ المنطقة أضحت أكثر تقلبًا، ومع زيادة القيود والتحدّيات، لم تعد الكنائس والخدمات قادرة على العمل بمنأى عن بعضها البعض. إذا أردنا أن نشهد تأثير الملكوت في منطقتنا، فلا يسعنا إلّا العمل معًا. اليوم، ثمّة حاجة إلى التعاون أكثر من أيّ وقت مضى.

نحن بحاجة إلى التعاون مع الكنائس أثناء إعداد قادتها، وذلك بأن نتعلّم منهم حول تحديّات سياقاتهم، ومن خلال الشراكة معهم في تشكيل هؤلاء القادة. نتوقّع أنّه مع نمو طلّابنا ونضجهم، ستنمو كنائسهم وتنضج معهم. وندرك أيضًا أنّ الله هو من يشكّل هؤلاء القادة. فدورنا محدّد جدًا في هذا التشكيل. وسيكون أكثر فاعليّة إذا ما اجتمعت جميع العناصر المساهمة في التشكيل على نحوٍ متسقٍ ومتناسق.

يجب أن يتجاوز تعاوننا مع الكنائس في العالم العربي التدريب الرسمي للقادة. نريد أن نتشارك مع الكنائس لتلبية احتياجاتها المتزايدة من خلال التدريب غير الرسمي وخارج إطار الصفوف التعليمية أيضًا. على سبيل المثال، يزيد تفشّي الوباء الحاد من حاجة مجتمعاتنا للتعامل مع قضايا مثل الرعاية الصحية والفقر. نريد أن نشارك كنائسنا في تدريب رعايانا على كيفية تطوير استجابات كتابية ولاهوتية للاحتياجات الناشئة.

نريد أيضًا التعاون مع كليّات لاهوت أخرى في المنطقة. فنحن نحتفل الشهر المقبل بالذكرى الستّين لكليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. نحن مباركون بأنّ لدينا إرثًا غنيًا والعديد من الشركاء الذين ساعدونا في الوصول إلى مستوى النضج المؤسسي. ثمّة العديد من كليّات اللاهوت الأحدث والأصغر في المنطقة التي يمكن أن تستفيد من خبراتنا ومواردنا. نحن بحاجة إلى التعاون معهم لإعداد المزيد من القادة إذا أردنا أن نرى تأثير الملكوت يتزايد في المنطقة.

ثمة مجال آخر مطلوب للتعاون هو الخدمة العابرة الطوائف. نحن كليّة تنتمي إلى طائفة، ونحن فخورون بهويّتنا، ولكنّنا تعلّمنا أنّنا لسنا مدعوين لخدمة الكنائس المعمدانيّة فقط. نحن مدعوون لخدمة الكنيسة في المنطقة، بكلّ عائلاتها الطائفية. وقد أصبح هذا أكثر أهميّة اليوم. نحن متحمّسون لأننا وقّعنا اتفاقية تعاون رسميّة مع كنيسة الناصري مؤخرًا. نريد أن نتعلّم من هذه التجربة وأن نضاعفها. ويا له من بيانٍ صادح لأغلبية سياقنا بأنّ هيئات كنسيّة مختلفة تعمل معًا بانسجامٍ ووئام. سيعرف العالم أنّنا تلاميذ يسوع من خلال حبّنا بعضنا لبعض، من خلال وحدتنا وتعاوننا، وليس من خلال تنافسنا مع بعضنا البعض.

نحن متحمّسون أيضًا لمحادثاتنا مع كليّتين أخريين في المنطقة حول إمكانية تطوير برنامج دكتوراه تعاوني إقليمي. لا أحد منّا يستطيع تحقيق هذا بمفرده. معًا نحقّق ذلك. تخيّلوا المساهمات الفكريّة والعلميّة التي يمكن أن يُنتجها هذا التعاون في منطقتنا.

وعندما نفكّر في التعاون، نفكّر أيضًا داخليًا. حتّى داخل كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، وهي مؤسّسة صغيرة، لدينا أقسام متعدّدة مع برامج ومبادرات متعدّدة. تتطلّب هذه الأيام المحفوفة بالتّحديّات أيضًا إجراء تقييم داخلي لكفاءاتنا. يمكن أن يؤدّي إيجاد أوجه التآزر وعمل الفرق الوثيق والتعاوني معًا إلى زيادة الإنتاجية والكفاءة. نحن بصدد إجراء هذا التقييم في كليّتنا، وثمّة بعض عمليات إعادة الهيكلة الداخليّة. ترقّبوا المزيد حول ذلك قريبًا.

التعاون هو المفتاح. يدرك عالم الأعمال جيدًا أنّ إجمالي الشيء يجب أن يكون أعظم من مجموع أجزائه. وهذا يصبح واقعًا فقط عندما يكون هناك عمل جماعي وتعاون، وحين لا يكون العمل في أجزاء متنافرة ومنعزلة. نظرًا لأنّ الكنائس والخدمات تعمل في هذه المنطقة الصعبة في هذا الوقت الصعب، فإذا أردنا أن نشهد تأثير الملكوت فالتعاون هو المفتاح.

طوال هذه الرحلة، نستمر في وضع ثقتنا بالله. إنّنا نواجه أوضاعًا مجهولة واستثنائية هذه الأيّام. نصلّي أن نثبت فيه كما هو فينا، عالمين تمامًا أنّه لا يمكن لأيّ غصنٍ أن يُثمر من دون الكرمة.

* هذا هو الجزء الخامس من سلسلة مقالات حول اتجاهنا الجديد.