ابتكار وتعاون: القصة مستمرّة
أكتوبر 15, 2020

تشكيل المجتمع عن بُعد: دروس من بولس

بقلم نبيل حبيبي
نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٢٠
الفصل السادس
ستستقبل كليّة اللاهوت المعمدانية العربية عمّا قريب دفعتها الأولى من الطلّاب الجدد في البرنامج الدراسي المعدّل المُدمَج. نحن واقفون على "العتبة" التي تكلّم عنها إيلي حداد في الفصل الأول من هذه السلسلة. فنحن على بُعدِ خطواتٍ من استقبال طلاب في برنامج لا يتضمن الإقامة داخل حرم الكليّة على مدار ثلاث سنوات. ونحن على وشك أن نشرع بتعليمهم عن بُعد. لا شكّ بفعالية البرنامج الأكاديمي. وقد سبق وفنّد وليد زيلع هيكلية البرنامج وإطاره العام في الفصل الثاني من هذه السلسلة. فبرنامجنا يتّسع، بقدرته الاستيعابية القصوى، لـ120 طالب يدرسون في الوقت نفسه على مستويات مختلفة.

التحدي الحقيقي والسؤال المفصلي الذي تصارعت معه هيئة التدريس في الكلية هنا طوال الأشهر الستّة الماضية يدور حول تشكيل المجتمعات والشخصيات. يعبّر باسم مِلكي عن هذه المعضلة على نحوٍ جيّد: "قد يفترض المرء أنّ التعلّم عبر الإنترنت أو التعلّم عن بعد يفتقر إلى عنصر التشكيل. وبالفعل إذا لم نتعمّد ذلك، سنفقده. غير أنّنا لسنا مستعدين أن نتخلّى عنه لا سيّما أنّ الشاغل الرئيس لكليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة هو تكوين القادة تكوينًا شموليًا." بالطبع هذا جزء من نقاش أوسع بين الكنائس. هل نستطيع أن نقوم بالعمل الكنسي عبر الإنترنت؟ هل نستطيع أن "نكون في شركة" مع بعضنا البعض عبر المسافات الفاصلة؟ كانت كلية اللاهوت المعمدانية العربية في صدارة هذا النقاش سواء في التعليم اللاهوتي أو الكنيسة المحلية. أود أن أضع هذا الحديث ضمن إطار نظري موجز ومن ثم الانتقال لإطار الكتاب المقدس.

على المستوى النظري المسألة هي مسألة تجسيد. هل نستطيع أن نبني مجتمعًا دون الحضور الجسدي في إطارٍ مكاني محدّد؟ هل نستطيع أن نكون معًا بدون أن نكون حرفيًا معًا؟ هل نستطيع أن نُحدث تغييرًا عبر المسافات "اللاجسدية"؟ الأجساد "أدائية" في طبيعتها و"مكان نعيش فيه." هي في لبّ الحدث وليس في خلفيته. 1تعبّر أجسادنا عن اختباراتنا ومشاعرنا النفسيّة (مثلا من خلال علامات الحزن). 2وما قاله ناست وبايل واضح جدًّا ومناسب: نعيش حياتنا "من خلال الجسد." 3التأكيد كتب كلّ هؤلاء الباحثين في النظريات حول الجسد قد كتبوا ما كتبوه قبل الجائحة وتطبيق زوم (والتطورات القادمة في تكنولوجيا الاتصالات التي تفوق الخيال). غير أنّنا حتّى هذه اللحظة لم ننجح في خلق اختبار الوجود الجسدي عبر المسافات.

الأهم من ذلك لنا في سياقنا المباشر هو أنّ العهد الجديد يقدّم "إيمانًا تجسّديًا" حيث يربط بدايات المسيحية بالجسد. يسوع وُلد وعاش وأظهر الخلاص في جسده. "كلّ سرّ من أسرار الإيمان المسيحي له بُعد جسدي، بما في ذلك المعتقدات الجوهرية حول الحياة الداخلية للثالوث والتجسّد والأفخارستيا." 4 هذا يضع أي نشاط مسيحي لتشكيل مجتمع أمام تحدٍ كبير، لا سيّما في ضوء الجائحة. إلّا أنّنا لا نيأس، لأنّنا نمتلك مثالَا كتابيًا واضحًا حول تشكيل المجتمع بدون تجسّد: خدمة الرسول بولس.

كان لخدمة بولس نمط مميّز وثابت. سافر في الإمبراطورية الرومانية، بصورة عامّة على سواحل آسيا الصغرى وحتّى إيطاليا، وحطّ رحاله في المدن الرئيسة لأشهر عديدة. بشّر بالإنجيل وأسّس كنائس جديدة (في مجمع أو بيت)، وثمّ ترك الكنائس في يد قيادة محليّة. وكان لاحقًا يتواصل مع الكنائس من خلال الرسائل والمرسلين وزيارات ثانية (وثالثة). لاحظ معي هذا التقلّب بين تشكيل المجتمع مع جسد وبدونه.

جميع رسائل بولس التي وصلتنا باستثناء رومية كُتبت لمجتمعات أسّسها أو زارها بولس شخصيًا. كان لبولس دور فاعل في تشكيل هذه الكنائس وتنميتها أثناء حضوره الجسدي معهم. يقول لأهل كورنثوس: "أنا غَرَستُ وأبُلّوسُ سقَى، لكن اللهَ كانَ يُنمي...حَسَبَ نِعمَةِ اللهِ المُعطاةِ لي كبَنّاءٍ حَكيمٍ قد وضَعتُ أساسًا، وآخَرُ يَبني علَيهِ" (1 كو 3: 6، 10 – جميع الاقتباسات الكتابية من ترجمة فان دايك الجديدة – تخفيف تشكيل). لدينا تصريحات مشابهة في رسائل أخرى. يذكّر أهل غلاطية بأنهم رحّبوا به "كملاك من الله" عندما أتى إليهم بالإنجيل (غل 4: 14). لاحظ كيف أخبر أهل تسالونيكي أنّه لم يقدّم لهم فقط "الإنجيل" بل كانوا "بينكم من أجلكم" لكي يتمثّلوا بهم (1 تس 1: 4-6). هذه الآية في الرسالة لتيطس تلخّص الطريقة التي شكّل بها بولس كنائسه: "مِنْ أجلِ هذا ترَكتُكَ في كِريتَ لكَيْ تُكَمِّلَ ترتيبَ الأُمورِ النّاقِصَةِ، وتُقيمَ في كُلِّ مدينةٍ شُيوخًا كما أوصَيتُكَ" (تي 1: 5).

وبما أنّ بولس أسّس مئات الكنائس، ولم يبقَ جسديًا في كنيسة محدّدة لفترة طويلة، فلقد مارس جزءًا أساسيًا من خدمته في تشكيل المجتمع الإيماني "عن بُعد". تتأمل رايتشل أرامنتوس بهذا الواقع على نحوٍ جيّد:
بمعنى ما، بولس كان بلا حضور جسدي في رسائله التي كتبها لأناس ومجتمعات مختلفة. أوصل بولس أفكاره عبر تكنولوجيا الأبجدية ليشكّل حروفًا من حبر على ورق، ومن ثم وصلت هذه الأوراق لمجموعات مختلفة من الناس الذين كانوا جسديًا بعيدين عنه. مجاله للتواصل سلبه جسده ولكن أوصله للواقع.
5 ولم يكن هذا التعليم عن بعد من النوع اللطيف والبسيط حيث يسأل المرء عن صحته وأحواله. لا، بل كان هذا تعليمًا رسوليًا كاملًا بكلّ سلطان بولس الرسولي عبر المسافات. قدّم الأحكام بدون تردّد في موضوع نقاش حادٍ في الكنيسة الأولى، قوانين الأطعمة: "لا تنقُضْ لأجلِ الطَّعامِ عَمَلَ اللهِ. كُلُّ الأشياءِ طاهِرَةٌ، لكنهُ شَرٌّ للإنسانِ الّذي يأكُلُ بعَثرَةٍ (رو 14: 20). قدّم نصائح زوجية بدون خجل في سياق ردّه على أسئلة من الكنيسة: "وأمّا مِنْ جِهَةِ الأُمورِ الّتي كتَبتُمْ لي عنها: فحَسَنٌ للرَّجُلِ أنْ لا يَمَسَّ امرأةً" (1 كو 7: 1). لنلاحظ هنا أنّ بولس كان يعي مدى جرأته، فهو يعبّر عن هذا الأمر بنفسه في عدة مناسبات. يصف توصياته لأهل رومية بأنّه "بأكثر جسارة كتبت إليكم" (رو 15: 15-16). يعترف بأنّ كلامه لأهل كورنثوس كان قاسيًا ويذكّرهم بأنّه " ليس لكَيْ أُخَجِّلكُمْ أكتُبُ بهذا، بل كأولادي الأحِبّاءِ أُنذِرُكُمْ" (1 كو 4: 14). ويعترف من جديد لأهل كورنثوس – وهي كنيسة سبّبت له الكثير من الألم (أنظر 2 كو 7: 8-9 و13: 10) – أنّ فمه "مفتوح" إليهم (2 كو 6: 11). بولس كان يعي أنّه على الأقل بعض رسائله ستُقرأ لجمهور أوسع: " ومَتَى قُرِئَتْ عِندَكُمْ هذِهِ الرِّسالَةُ فاجعَلوها تُقرأُ أيضًا في كنيسَةِ اللّاوُدِكيّينَ، والّتي مِنْ لاوُدِكيَّةَ تقرأونَها أنتُمْ أيضًا" (كو 4: 16).

كيف رأى بولس إذًا هذا النموذج للتلمذة عن بُعد؟ استخدم مفهوم الوجود بالروح معهم. وثمّة مقطعان جديران بالذكر هنا: " فإنّي أنا كأنّي غائبٌ بالجَسَدِ، ولكن حاضِرٌ بالرّوح... باسمِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ -إذْ أنتُمْ وروحي مُجتَمِعونَ مع قوَّةِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ- أنْ يُسَلَّمَ مِثلُ هذا للشَّيطانِ لهَلاكِ الجَسَدِ، لكَيْ تخلُصَ الرّوحُ في يومِ الرَّبِّ يَسوعَ" (1 كو 5: 3-5). يكرّر المفهوم نفسه في كولوسي 2: 5: " إنّي وإنْ كُنتُ غائبًا في الجَسَدِ لكني معكُمْ في الرّوحِ، فرِحًا، وناظِرًا ترتيبَكُمْ ومَتانَةَ إيمانِكُمْ في المَسيحِ." إذا، اعتقد بولس بوجود صلة وصل روحية بينه وبين رعيّته تسمو فوق المسافات وتعطي حياة لكلامه "الميت."

ومع ذلك، وبينما نتكلّم عن قدرة بولس على تشكيل المجتمعات عن بُعد، لا بدّ أن نتذكّر أنّ بولس لم يرَ أبدًا أنّ هذه هي الطريقة الفضلى لعمل الأمور، وبقي الأمر بالنسبة له خيارًا تحتّمه الحاجة. هذا التفسير الوحيد لشوقه المستمر لزيارة كنائسه، وهو شوق نراه جليّا في معظم رسائله. كتب إلى أهل رومية الذين لم يلتقِ بهم بعد "لأنّي مُشتاقٌ أنْ أراكُمْ" (رو 1: 11-13)؛ ويكرر هذه الأمنية في 15: 23-24. يصف فراقه عن أهل تسالونيكي بـ"الفقدان" (1 تس 2: 17؛ أنظر أيضًا 1 كو 4: 18-21 لترى كلام بولس عن زيارة مرتقبة ولكن غير لطيفة). كيف تعامل بولس مع هذه المشكلة الضاغطة؟ نجح في بعض الأحيان في زيارة كنائسه من جديد. وغالبًا ما أرسل مرسلين إلى الكنيسة كممثّلين عنه. أنظر مثلًا كلماته الأخيرة إلى أهل أفسس: " لكن لكَيْ تعلَموا أنتُمْ أيضًا أحوالي، ماذا أفعَلُ، يُعَرِّفُكُمْ بكُلِّ شَيءٍ تيخيكُسُ الأخُ الحَبيبُ والخادِمُ الأمينُ في الرَّبِّ، الّذي أرسَلتُهُ إلَيكُمْ لهذا بعَينِهِ، لكَيْ تعلَموا أحوالَنا، ولكي يُعَزّيَ قُلوبَكُمْ" (أف 6: 21-22؛ أنظر أيضا في 2: 19-24؛ كو 4: 7-9). بدأ بولس خدمته شخصيًا بالجسد وثمّ حافظ على التواصل وتشكيل مجتمعات كنائسه بالمراسلة والمرسلين. ومع ذلك، عاش في شوق دائم للقاء كنائسه وجها لوجه.

نعود لسؤالنا الأصلي. هل تستطيع كلية اللاهوت المعمدانية العربية تشكيل المجتمعات عبر المسافات؟ يبدو أنّ بولس يجيب بالإيجاب. غير أنّه وفقًا لنموذج بولس، يجب أن يبدأ هذا المجتمع على نحوٍ شخصي وحضوري، ويجب زيارته باستمرار. أنا ممتن لكون برنامجنا يبدأ بأسبوعين من الإقامة ويحتوي على ثلاث فترات مماثلة قبل التخرّج. أضف إلى ذلك، عندما تخفّ وطأة الجائحة نخطّط لزيارات تقوم بها هيئة التدريس إلى البلدان المختلفة التي يسكن فيها تلاميذنا. أيضًا، وفقًا لنموذج بولس، وجود مجتمع محلي نابض بالحياة أمر مفصلي. ومن جديد، كما سبق وأشار باسم مِلكي في فصله، نأمل أن تكون كنائس التلاميذ المحلية بمثابة عوائل روحية لهم بينما يمشون مسيرة التعلّم اللاهوتي. وأخيرًا، لقد حافظ بولس على تواصل مستمر مع كنائسه، وأعتقد أنّ هذه القطعة من الأحجية ليست عصيّة على التطبيق بتاتًا في ضوء التطورات الكبرى في أنظمة إدارة التعلّم عن بُعد.

وصف إيلي حداد في فصله الأخير عملنا على أنّه ابتكار. إلّا أنّنا قد نكون فعلًا نستقي من نموذج قديم جدًا استخدمه مؤسسو إيماننا. نمشي في خطوات الملايين من أتباع يسوع ممن أرادوا أن يكونوا في شركة في أماكن مشتركة وعبر المسافات. ليس بالأمر السهل. قلوبنا في هيئة التدريس معتادة على ديناميات الصف النشطة، ونحن في شوق لنكون مع تلاميذنا. وبينما نتواجه مع هذه "الأزمة الوجودية" التي ناقشها مرتان عقاد في فصله حول الدور المتغيّر لهيئة التدريس، يجب أن نتشدّد ونتشجع، فعمليًا نحن نتبنى برنامج تشكيلي متعدد الأوجه استخدمه بولس الرسول بنفسه. لنخطو نحو المستقبل برجاء.
 
 
 
 
 
 
 
 
_________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

1 Robyn Longhurst, “The Body.” In Cultural Geography: A Critical Dictionary of Key Concepts (eds. David Atkinson et al.; London and New York: I.B. Tauris, 2005), 93-4.

2 Avril Maddrell, “Mapping Grief: A Conceptual Framework for Understanding the Spatial Dimensions of Bereavement, Mourning and Remembrance,” SCG(2016). n.p. [cited 6 November 2020]. Online: http://dx.doi.org/10.1080/14649365.2015.1075579.

3 Heidi J. Nast and Steve Pile, eds., Places through the Body (London: Routledge, 1998), 1.

4 Mary Timothy Prokes, Toward a Theology of the Body (Edinburgh: T&T Clark, 1996), 1-2.

5 https://www.relevantmagazine.com/faith/church/what-the-apostle-pauls-letters-can-teach-us-about-socially-distanced-church/ (accessed 5 November, 2020).

* هذا هو الجزء السادس من سلسلة مقالات حول اتجاهنا الجديد.