توقيع مذكرة تفاهم بين كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وكليّة الناصري العربيّة للكتاب المقدّس
سبتمبر 2, 2020

هيئة التدريس ودورها المحوريّ في برنامج التعلّم الهجين
الناشئ في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة

بقلم مرتان عقّاد
١٤ ايلول/سبتمبر ٢٠٢٠

أتوقّع أنّ المقالات الثلاث السّابقة (حزيران/ يونيوتمّوز/ يوليوآب/ أغسطس) التي كتبها زملائي إيلي ووليد وباسم، قد أوضحَت لأصدقائنا وشركائنا حول العالَم كيف أنّ الأزمات المتعدّدة التي مرّ بها لبنان منذ الصّيف الماضي قد هزّت كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة حتّى الصميم. غير أنّ الحياة علّمتني أنّ الأزمات غالبًا ما تمدنا بالشّجاعة لإحداث تلك التّغييرات الطويلة الأجل التي لطالما علمنا أنّها ضروريّة لمواصلة خدمتنا بفعاليّة.

أوضح وليد في تمّوز/ يوليو التّغييرات التي استحدثناها على نهج تقديم منهجنا التعليمي وذلك منذ ظهور جائحة كوفيد – 19. ولقد سلّط باسم الضوء في آب/ أغسطس على مجالات التحوُّل التي سنواصل تيسيرها في حياة طلّابنا من خلال المكوّنات غير الرّسمية في مناهجنا الدّراسية. أرغب هذا الشّهر أنْ أتأمّل فيما تعنيه كلّ تلك التّغييرات بالنّسبة لأعضاء هيئة التّدريس. تحظى هيئة التّدريس بمكانةٍ جوهرية في عمل المؤسّسات الأكاديميّة السّليمة عامةً، وذلك لما يلعبونه من دور أساسي في تشكيل الطلّاب. ولطالما انطبق ذلك على كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. ولكن إذا لم يكن طلّابنا متواجدين فعليًّا داخل حرم الكليّة معظم العام الدّراسي، فكيف يُفْتَرَض أنْ يستثمر أعضاء هيئة التّدريس حياتهم في طلّابهم، ليس فقط عن طريق حقن المعلومات في أذهانهم، وإنّما أيضًا من خلال المساهمة في تشكيل قلوبهم وشخصيّاتهم من خلال الإرشاد والاحتكاك بهم يوميًا؟


إنّ التّغييرات التي استحدثناها في برنامجنا منذ نيسان/ أبريل 2020، قد تثير أزمة وجوديّة بين البعض من هيئتنا التّعليمية. فالبنّسبة لمدرسي اللاهوت، الذين ربّما اختاروا هذه المهنة بسبب شغفهم ودعوتهم للاستثمار الذّاتي في حياة الطلّاب وتقديم الإرشاد الشمولي لهم، إنّ فقدان التواصل الشّخصي مع الطلّاب لهو خسارة مؤلمة. وقد يتساءل أعضاء هيئة التّدريس عمّا إذا كانت كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة لا تزال المكان المناسب لهم. قد يتساءل بعض زملائنا من غير اللّبنانيّين عن ضرورة وجودهم في لبنان وعمّا إذا كانوا عاجزين عن تقديم الخدمة ذاتها بجودة كافية لطلّاب الكليّة من بلدهم. تصعب مواجهة هذه الأسئلة – أو حتّى أقلّه معالجتها – في وقت الأزمات، حيث ينتهي بك المطاف كلّ يوم منهكًا ومُستنزفًا بعد أن تكون قد أمضيت اليوم كلّه محاولًا إطفاء الحرائق. من الصّعب التّفكير استراتيجيًّا في خضمّ العاصفة، عندما يسلب الظرف الطارئ انتباهك. في ظروف كهذه، قد تستأسر انتباهك الأمور الملحّة القصيرة الأجَل، فتفوتك الأهداف الطويلة الأجل التي يجب أن تسعى لتحقيقها. غير أنّه ثمّة خطر أيضًا في التركيز فقط على الاستراتيجيّة الطويلة الأجَل، فيفوتك قطار عبور الأزمة الفوري والذي هو أمر بالغ الأهميّة للبقاء على المسار الصّحيح.

شكَّلَتْ هذه الأمور اعتبارات هامّة لنا كهيئة تدريس. غير أنّه وفي الوقت عينه، شارَكَنا العديد في خضمّ العاصفة كيف أنّ الكليّة والدّعوة إلى التّعليم اللاهوتي كانا بمثابة حاجة مُلِحَّة – نقطة مرجعيّة هامّة وبوصلة حياة في خضمّ عدم الاستقرار. وقد أبرَزَ زملائي في هذه السّلسلة من المقالات في مناسباتٍ عدّة كيف أنّ قدرتنا على التأقلم والتكيُّف والانتقال السّريع مُستمدّة من حقيقة أنّ اللّه ولفترة من الوقت كان يعدّنا لأوقاتٍ كهذه. بالنّسبة لأعضاء هيئة التّدريس، فإنّ هذا الإحساس بالثّقة في يد اللّه المسيطرة على ماضينا وإرشاده لنا في مستقبلنا هو مصدر رجاء كبير حتّى في خضمّ الأزمات المستمرّة. أريد التّركيز في الجزء المتبقّي من هذا المقال على ستّة مجالات مهمّة لِدَوْر أعضاء هيئة التّدريس في هذه النقلة في البرنامج التي تقوم بها كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

أوّلًا، وقبل كلّ شيء، أدّى هذا التحوُّل من برنامج بإقامة كاملة داخل حرم الكليّة إلى برنامج مُعَدّل وهجين إلى مدّ جسور جديدة بين شؤون الطلّاب ومسؤوليّات هيئة التّدريس. لم يعد هناك قسم يهتم بشؤون الطلّاب بصورة منفصلة عن دَوْر هيئة التّدريس. أصبح أعضاء هيئة التّدريس في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة في الواقع نقطة التواصل الرّئيسة مع الطلّاب في جميع أنحاء المنطقة. لطالما كان أعضاء هيئة التّدريس حلقة وَصل رئيسة بين منهجنا اللاهوتي والطّالب، لكنّهم باتوا الآن أقرب من أيّ وقت مضى إلى التأثير الواقعي للتّعليم اللاهوتي على الكنيسة المحليّة من خلال طلّابنا.

ثانيًا، إذا كانت أزمة كوفيد – 19 قد علّمتنا شيئًا، فهو أنّ البشر يتوقون إلى "التواصل الشخصي" ببعضهم البعض. والتحدّي الكبير الذي يواجهنا هو كيفيّة إنشاء جماعة فعليّة وشركة بشرية افتراضيًّا. سيكون لدينا عدّة فترات إقامة فعليّة مكوّنة من أسبوعَين خلال السنة سنتمكّن من قضائها مع مجموعات مختلفة من الطلّاب، وسيكون لهذه الفترات أهمية كبرى في عمليّة التّشكيل. غير أنّنا سنحتاج أيضًا أن نستخدم مجموعة من المنصّات الافتراضيّة المتزامنة وغير المتزامنة التي سنتمكّن من خلالها تعزيز إحساسنا بأنّنا مجتمع تعلمي.
ثالثًأ، سيحتاج أعضاء هيئة التّدريس إلى إجراء نقلة نوعيّة كبيرة. وسنحتاج لأن ندرك أنّنا لم نعد المصدر الأساسي للتّشكيل في حياة طلّابنا على مدى ثلاث سنوات. بالطّبع، نحن ندرك جيّدًا أنّ السياق والحياة المجتمعيّة كانا دائمًا جزءًا من "المنهاج المخفي"، حتّى حين أمضى طلّابنا ثلاث سنوات متتالية داخل حرم الكليّة في لبنان. ولكن الآن، أكثر من أيّ وقت مضى، سنحتاج كهيئة تدريس لأن ندرك أنّ طلّابنا موجودون في مجتمعات محليّة تختلف اختلافًا كبيرًا عن بعضها البعض وعن مجتمعاتنا. وسيكون تأثير هذه العناصر على تشكيل قيادتهم – سواء كان جيّدًا أم سيّئًا – حتميًّا وخارجًا عن سيطرتنا إلى حدٍّ كبير.

وفيما يلي نقطة رابعة مهمّة، وهي أنّ المجتمعات المحليّة لطلّابنا قد تأثّرت أيضًا وتغيّرت من جرّاء أزمات هذا العام، وستظلّ كذلك. سنحتاج كهيئة تدريس أنْ نكون على دراية مستمرّة بهذا الأمر وأنْ نسأل أنفسنا كيف تؤثِّر هذه التّغييرات على حياة طلّابنا الخاصّة.
خامسًا، رغم أنّ الكثيرين منّا في هيئة التّدريس في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة بتنا ضليعين إلى حدٍّ ما بعمليّة التعلُّم التّعاوني من خلال المقاربة الحواريّة للتدريس الذي يستمدّ الأفكار والسّياق من خلفيّة كلّ طالب، فإنّ الأسئلة من سياقاتهم ستُصبح الآن ذات أهميّة قصوى. لا ينبغي أنْ نجرؤ على صياغة أسئلة التعلُّم من طرفٍ واحدٍ أي طرفنا من الآن فصاعدًا. يجب أن يكون التوجه التعلمي مدفوعًا بأسئلة فورية من واقع طلّابنا اليومي. ينبغي أنْ يكون التّشكيل اللاهوتي مكوّنًا من عمليّة حلّ المشكلات المستمدّة من واقع الحياة. لن يتمتّع طلّابنا برفاهيّة معالجة المعلومات اللاهوتيّة على مدار تسعة أشهر والانتظار حتّى يحين موعد تطبيقها لاحقًا في الصّيف أو بعد ثلاث سنوات. إنّ معالجتهم للمعلومات اللاهوتيّة ستكون الآن مدفوعة بتحدّيات الخدمة الفوريّة والملحّة.

سادسًا وأخيرًا، كنّا على مدار 60 عامًا نتمتّع برفاهيّة جذب الطلّاب من المغرب وصولًا إلى العراق، ومن اليمن وصولًا إلى كردستان، ليجتمعوا داخل فصولنا الدّراسية، فإنّ النقلة النوعيّة الأساسية الذي يتعيّن علينا أنْ نتصالح معها هي السّماح لأنفسنا أنْ ننجذب نحو مجتمع طلّابنا وسياقهم. ينبغي أنْ تتمّ عمليّة الانجذاب هذه افتراضيًّا – في الوقت الرّاهن – وعلى أرض الواقع بمجرّد أن يُستأنف السّفر في عالَم ما بعد الجائحة.

الحياة عبارة عن سلسلة من الارتباطات والخسائر والتعامل مع الحزن. من تعلّم أن يتألّم، يُدرك جيّدًا أنّ التعامل الصحّي مع الحزن هو المفتاح لحياة جديدة. عندما بدأت اجتماعات فريقنا القيادي خلال سلسلة من المكالمات الافتراضيّة لمعالجة انعكاسات الجائحة على كليّتنا في آذار/ مارس الماضي، سرعان ما توصّلنا إلى إحساس جماعي قوي أنّ اللّه كان على وشك إجراء سلسلة من التّغييرات الأساسيّة بيننا، وبعضها كنّا نعلم أنّه قد حان وقته أو تأخّر قليلًا. وربّما أهم تغيير كان معرفتنا بأنّ عالَمنا قد وصل إلى ذروة من التحوُّل من خلال ظهور وسائل التّواصل الاجتماعي والافتراضي على مدار الخمسةَ عشَرَ عامًا الماضية بحيث لم يَعُد النّموذج التّقليدي للتّعليم اللاهوتي ذي الإقامة داخل حرم الكليّة قابلًا للتّطبيق. لقد دفعَتْ أزمة فيروس كورونا المستجد العالَم إلى حدود مقدرته على التكيّف، وفي كثير من الحالا لقد دفعت الأشخاص والمنظّمات إلى حافّة الهاوية. أمّا بالنّسبة لأولئك الذين يملكون حساسيّة كافية لقيادة الرّوح القدس، أعتقد أنّه في هذه النّقطة المفصليّة الهشّة، وفي نظرة مستشرفة للمستقبل، سوف نشهد على لحظة حاسمة من تحوُّل الكنيسة، ونموّها، ونضجها.

* هذا هو الجزء الرّابع من سلسلة مقالات حول
اتجاهنا الجديد.