مدوّنة العراق – ديسمبر/ كانون الأوّل 2018

الواقع الذي من المرجح أن يهيمن على العالم العربي في السنوات القادمة يدعو الكنيسة العالميّة إلى ممارسة المثابرة على تعزيز الشفافية والمساءلة

بقلم مرتان عقّاد

 

الخبر

في 21 تشرين الأوّل/أكتوبر من هذا العام، تم تثبيت عبد المهدي كرئيس وزراء جديد للعراق. على الرغم من أنّه يرأس حكومة جديدة فهي تكشف عن ثغرات منذ نشأتها، كون البرلمان غير قادر على إبرام اتّفاق تعيينات أمنية رئيسة. ومع وجود شكوك جديّة في قدرته على تأمين تحالفات حاسمة، فهل سيكون قادرًا على تنفيذ الإصلاحات الملحّة والتي يرى هو وبعض حلفائه الرئيسين أنّها نقاط غير قابلة للتسوية في العمل من أجل مستقبل العراق؟

التحليل

قبل بضعة أسابيع فقط من تسلّمه زمام رئاسة الحكومة، نشر عبد المهدي مقالاً هامًّا أكّد فيه أنّ الشروط المطلوبة لقبوله الوظيفة لم تكن متوفّرة لضمان قدرته على تنفيذ الإصلاحات الحاسمة التي أرادها لبلده في السنوات المقبلة. وقد حدّد هذه الأمور في مقاله بالنقاط الخمس التالية: ضرورة تخلّص العراق من الريع الاقتصادي، إزالة اللامركزية في النظام الحكومي الحالي، الدفع الإصلاح ضد الفساد المستشري في الدولة، إصلاح المؤسسات العامة، وإنفاذ حكم القانون. غير أنّ تقليص الريع المتسبِّب بشلل الاقتصاد بسبب التوظيف العام المتضخِّم لن يؤدّي إلى تحسين تحالفات رئيس الوزراء الجديد مع الأُسَر والقبائل المهيمنة على الأرض. والواقع أنّ من دون هذه الخطوة الحاسمة، يشكَّك بأنّه سيتمكّن من تنفيذ أي إصلاحات مهمة أو مكافحة الفساد. وسيظلّ فرض حكم القانون في دولة تترنّح بين الفصائلية والمحسوبيّة ما بعد الحرب تحديًا كبيرًا. فمن المرجح أن يستمر العراق في المعاناة من الآفات الكبرى التي تثقل كاهل دول الشرق الأوسط: الفساد وغياب حكم القانون.

في مقال أصدره مركز كارنيغي للشرق الأوسط مؤخّرًا بعنوان “ماذا يعني أن تكون شخصًا لا يُمَس،” يحلّل الكاتب نوع القيادة التي نجدها على تصاعد في فترة ما بعد ثورات العالم العربي: القيادة التي تتميز بالإفلات من العقاب. وبفضل إتقانهم لتكنولوجيّات الإنترنت الجديدة، تمكّن قادة الألفية الناشئة في الشرق الأوسط من تقويض الشفافية، التي جلبها على نحو طبيعي الاستخدام العالمي لوسائل الإعلام الاجتماعية. فقد أثبتت الأحداث التي وقعت في السنوات الأخيرة، مثل التقهقر السريع والواضح للانتفاضة الشيعية الشعبية في البحرين في عام 2011، أنّ الشفافية لا تؤدي بالضرورة إلى المساءلة. واغتيال خاشقجي الشنيع في القنصلية السعودية في اسطنبول الشهر الماضي يؤكّد هذا الاتجاه أيضًا، حيث من المرجح أن تبقى العقول المدبّرة وراء القتل بدون عقاب. ومع هذا الاتجاه الجديد للإفلات من العقاب، ستستمر مؤامرة الدول الغربيّة الصامتة، والمدفوعة اقتصاديًّا، في تعزيز قناعة القادة العرب الناشئين بأنّهم قادرون على العودة إلى أساليب الحكم القديمة الوحشية، دون أن يخضعوا للمساءلة من قبل المجتمع الدولي، ناهيك عن شعوبهم.

الخواطر اللاهوتيّة

“المَلِك بالإنصاف يُثبِّت البلاد وبكثرة الضّرائب يُخرِّبُها” (أمثال ٢٩: ٤، الترجمة المشتركة). عندما لا يكون هناك أشخاص يسائلون الحاكم ويحاسبونه أمام العدالة في الأرض، تواصل البلدان انحدارها في العنف والظلم والفساد. في مثل هذه الأقطار، يُسلب الناس الأمل في مستقبل أكثر إشراقًا وينقادون إلى اليأس ويلجأون إلى الهجرة. إنّ شخصيّة فرعون، في كلٍّ من الكتاب المقدس والقرآن، تمثّل القوة السياسية الشريرة التي تقيم نفسها سيّدة فوق الناس من دون الله. فيسود ذلك العنوان عبر صفحات الكتاب المقدس، مجسّدًا صورة الشر الذي يدعو الله كنيسته للوقوف في وجهه.

التأملات الإرسالية

يظلّ المسيحيون في كثير من الأحيان، كباقي مواطِني بلدانهم، عرضة للاستسلام واليأس. فيلجؤون إلى الفرار بحثًا عن مستقبل أكثر إشراقًا في بلاد المهجر. يوجّه إرميا النبي لهؤلاء الذين يشعرون بأنهم غرباء مسبيّون في أرض ولادتهم، الكلام التالي: “ابنوا بيوتًا واسكنوا واغرسوا بساتين وكلوا من ثمرها. تزوّجوا ولِدوا بنين وبنات وزوِّجوا بنيكم وبناتِكم لِيَلِدوا بنين وبنات، وأَكثِروا هناك ولا تَقِلّوا. اعملوا لخير المدينة التي سبَيْتُكم إليها، وصلّوا مِن أجلها. ففي خيرِها خَيرُكُم” (29: 5-7). ويقدّم الله رسالة رجاء لأولئك الذين يأسون ويعيشون بهدف الهجرة: “أنا أعرِف ما نَوَيْتُ لكم مِن خير لا من شرّ، فيكون لكم الغد الذي ترجون” (العدد 11).

إنّ جسد المسيح مدعوّ ليكون مِلْحًا ونورًا في خضمّ اليأس. وتمارس الكنيسة مهامها في المثابرة في كثير من الأحيان بمجرد “بقائها” وسط الشدائد كتعبير متين لدعوتها. فيدعونا الكتاب المقدس لاستثمار آمالنا، ليس في وعد الدنيا بالراحة والرفاهية، ولكن في السلام الذي يعطيه الله والذي يفوق الفهم البشري، لأنّه يستند إلى الإيمان بالذي لا يُرى وعلى الرجاء في رئيس السلام، لا إلى حقائق مرئيّة بالعين البشرية المجرَّدة. تُقدّم لنا الرسالة إلى العبرانيين في الفصل الحادي عشر قائمة بأبطال الكتاب المقدس، الذين عاشوا بالإيمان على الرغم من أنّ – وكما نقرأ في الآية 13 – “في الإيمان مات هؤلاء كلُّهم دون أن ينالوا ما وعد الله به، ولكنّهم رأَوْه وحيَّوْه عن بُعدٍ. واعترفوا بأنّهم غرباءُ نُزلاءُ في الأرض.” فلا يدفع الإيمانَ ضرورةُ التحقيق الآنيّ، لأنّ “الإيمان هو الوثوق بما نرجوه وتصديق ما لا نراه” (عبرانيين 11: 1). في خضم الفوضى الحالية والوشيكة أن تعم في العالم العربي، يبرح “لاهوت البقاء” أساس وجود الكنيسة وشهادتها الأمينة في المواقف المستحيلة. وتستند الأمانة الكتابيّة إلى تعريف الإيمان الذي وجدناه في الرسالة إلى العبرانيين، وليس على الظروف الخارجية الآنيّة. لمزيد من التأمّل في مسألة “لاهوت البقاء،” يُرجى قراءة مقالي السابق حول هذا الموضوع في مدونة معهد دراسات الشرق الأوسط.