لمَ تغضب الشعوب؟ العالم يلتمس قادة ذوي نزاهة

مدوّنة لبنان – نوفمبر/ تشرين الثاني 2019
نوفمبر 5, 2019
مدوّنة العراق – نوفمبر/ تشرين الثاني 2019
نوفمبر 12, 2019

تشهد وسائل الإعلام انتشار غير مسبوق للانتفاضات في جميع أنحاء العالم – هونغ كونغ، تشيلي، أديس أبابا، بغداد، وبالطبع بيروت الحبيبة.

وفيما يناقش البعض شرعية مشاركة المسيحيين في هذه المظاهرات، ثمة قضية جوهرية على المحك أكثر فيما نشهد غضب الشعوب حول العالم. إنّها صرخة مدويّة تلتمس قيادة شفافة وعادلة. لقد سئم اللبنانيون الفساد. إنّهم يصرّون على استعادة الأموال المنهوبة إلى الخزينة العامة، وعلى تنحي زعماء الحرب جانبَا، وعلى أن يكون تمثيل المواطنين اللبنانيين قائمًا على كرامتهم الإنسانية وليس على انتمائهم إلى طائفة دينية.

وما قد لا تشير له وسائل الإعلام أبدً هو أنّ هذه لحظة في تاريخ لبنان لها أهمية لاهوتية كبيرة. وهذا ما يعرض لنا أفضل معنى “للاهوت” – معرفة الله التي تنطبق على كلّ مجال من مجالات الحياة، سواء كانت عامة أو خاصة، إيمانية أو علمانية.

وقد تضيع هذه الحقيقة بسهولة في متاهات الهويات الطائفية التي تشكّل لبنان. فإنّ إثبات وجهة نظرنا اللاهوتية الخاصة في وقت يمرّ فيه لبنان باضطراب كهذا، قد يؤدّي التفرد الديني والغرور. وبدلاً من إثبات وجهة نظرنا اللاهوتية حول الانتفاضة، ألا يجدر بنا أن نسعى لتحقيق المصلحة المشتركة لجميع اللبنانيين في مخاض هذه الثورة الناشئة؟

وأقول بجسارة أنّه يمكننا أن نصيغ معتقداتنا اللاهوتية على نحوٍ يسهم في الصالح العام، وبدلًا من الكلام الديني المُستقطب لفئة ما دون الأخرى يمكننا أن نسهم بصدق في تعزيز شغف اللبنانيين للعدالة والإصلاح.

إن تفرد المفهوم الإنجيلي والتاريخي المسيحي عن الله هو أنّه إله علاقة المحبة الباذلة الفريدة من نوعها. الله آب، ابن، روح، إله واحد. بذل آباء الكنيسة القدامى قصارى جهدهم لتوضيح هذا المفهوم بعناية فائقة. تحدث البعض عن الاحتواء المتبادل لأقانيم الثالوث، ويفيد هذا التعبير بأنّ الله يتشارك هويته / جوهره ما بين الأقانيم الثلاثة بصورة كاملة ومطلقة. وكانت النتيجة تدفق محبّة نبعت من الجوهر الإلهي في خلق موطن جميل للبشرية، ومنح الصورة الإلهية للإنسانية وأخيرًا فداء تلك الإنسانية التي أخطأت في علاقتها مع الله. أقانيم الثالوث ليست على خلاف، لكنّها في وئام دائم.

هذا المفهوم عن الله مفيد جدًا في انعكاساته على الحكومات البشرية. إذ نرى أنّ ممارسة الله للسلطة هي في غاية الشفافية. السيادة مشتركة بين الأقانيم. الثالوث ليس طبقية هرمي. كلّ أقنوم من أقانيم الثالوث يسعى لصالح الآخر، وبدافع نبع الحب الإلهي المشترك بين الأقانيم في مجتمعهم الأبدي. إنّ الذين يخضعون لسيادة الله يُجعلون شركاء في الحكم والسيادة، وذلك لا يعني أنّهم يتمتعون بالحرية لممارسة الاستغلال والتعدي على الآخرين، ولكن لهم صلاحية القيادة والحكم بمحبة.

بطبيعة الحال، فإنّ سقوط الإنسانية يجعل القيادة البشرية غير مهيأة لممارسة الوصاية الإلهية. الثقة منكسرة. لقد قُطِعَت العلاقة التي كانت ذات يوم أساس السيادة البشرية ومنبعها. فالإنسانية جنحت عن الحب الإلهي، والنفس الإلهية والآخر. لذلك، تعترف الإنسانية المتجددة بالحاجة إلى المساءلة – بوضع النفس تحت ضوابط المجتمع فيما يتخذ المرء خطوات متعثرة نحو القيادة المثالية. وبالتالي، يصبح نظام الضوابط والتوازنات في الحكومة ضروريًا. إن القادة الحكيمين والخيرين، سواء كانوا رؤساء أو رؤساء وزراء أو ملوك، يعملون عن طيب خاطر تحت فحص توازن القوى.

لذلك، في الواقع، فإنّ الصرخة اللبنانية للمساءلة أو نداء المتظاهر في بغداد لاستعادة الكرامة الإنسانية لهما أساس لاهوتي نابع من طريقة تفاعل الله مع الإنسانية القائم على ضمان كرامة الإنسان، ومشاركته السيادة، واستعادة الثقة.

ما الذي قد نتعلّمه من التجسد عن القيادة الإنسانية؟ ثمة الكثير لتلخيصه هنا، ولكن سأقدّم لكم صورة أوليّة عامّة، قرّب التجسد الإله القدّوس من الجنس البشري وأعلن عن سرّ مشيئته. لا بل هو أكثر من تقرّب التجسد يعني أنّ الله ضم إلى طبيعته الإلهية الثابتة طبيعة الإنسان المتقلبة في شخص المسيح. هذا هو جوهر التعاضد. إنّه تعاطف حقيقي حيث أنّ الله تألّم مع الإنسانية في المسيح. وهذا ما لا يمكن تصورّه، ولكنّه حقيقي.

إنّ “البرج العاجي” للقيادة السياسية التي تخدم نفسها من خلال استغلال الأموال العامة والمزايا السياسية هو نقيض المسيح الذي بذل نفسه باتحاده مع الإنسانية. إنّها بالفعل صورة مثالية جدًا، بالكاد يمكننا توقعها من قادتنا المنتخبين. غير أنّه بقدر ما تعرف الخراف صوت الراعي، يعرف المواطن ما إذا كان الموظّف العام خادمًا أو طفيليًا.

ومهما كان رأي القارئ برئيس الوزراء سعد الحريري، فقد كانت استقالته بمثابة تأجيل لإرادة الشعب. ربّما بيانه موجّه نحو قيادة موجهة لتكون خادمة:

“دعوتي لجميع اللبنانيين هي إعطاء الأولوية لمصلحة لبنان وسلامة لبنان وحماية السلام المدني ومنع الانهيار الاقتصادي قبل أي شيء آخر “.

لو كانت النخبة الحاكمة قد أعطت الأولوية للبنان ومصلحة لبنان فوق كلّ اعتبار (بما في ذلك جيوبهم ومكانتهم)، لكان من الممكن تجنب الكثير من سلبيات المأزق الحالي.

أتصوّر أن قارئًا ساخرًا قد يقع نظره على هذه الأسطر ويهز رأسه غير مصدقِ ما يقرأه. “كيف يمكن أن يصبح الثالوث وتجسد المسيح قيمًا أساسية في الحكم العام لبلد ما؟ دعنا نعود إلى العالم الحقيقي. ”

وردّي على هذا السؤال الساخر هو أنّه هذا هو العالم الحقيقي. هذا هو الواقع، الذي كشفه الله، فجوهر القيادة الحقيقية هو مشترك، يخدم الذين يقودهم ويرفعهم. على الرغم من أنّ المثل العليا قد تبدو غير قابلة للتحقيق، إلّا أنّني أتجرأ بالقول بأنّ كلّ قارئ يمكنه أن يتذكّر قائدًا جسّد تلك المثل العليا وأراهن أنّ هذا القائد ترك بصمة لا تمحى على القارئ.

إلى لبنان وشعبه، يقف كثيرون معكم في هذه التظاهرات، وهم ينادون ملتمسين قيادة نزيهة ومستقبل مشرق. ونأمل معكم بحكومة تقدم الخدمة الباذلة والمساءلة والعدالة ونرفع صلواتنا من أجل مستقبل أرضكم الجميلة. آمل أن يقف لبنان قويًا وشامخًا كالأرز!

يشير الرسول بولس إلى أنّ المسيح بعد أن عبّر عن المحبة الباذلة على الصليب، صعد إلى يمين الآب:

“الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا، وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ” (أفسس 1: 20-22).

لمَ تغضب الشعوب؟ يقول كاتب المزامير أنّ هذه محاولة إنسانية للتخلّص من مُلك مسيح الرّب (المزمور 2). هل نرى في هذه المظاهرات ردة فعل شعبية ضد القيادة الإنسانية التي ترفض نموذج المسيح القيادي؟ في الواقع، تُعبر هذه الانتفاضات عن شوق دؤوب للقيادة التي يجسّدها يسوع المسيح ويمارسها الآن من خلال الكنيسة، ولكن في نهاية الأزمنة سيملك بها على كلّ الخليقة.

2 Comments

  1. يقول Milad Magdy:

    مقال أكثر من رائع، أستاذي مايك.
    الربّ يبارك كل طاقاتك، لمجد محبتِه، في الكثيرين!

  2. يقول Mike Kuhn:

    شكرًا يا أخي ميلاد. اتمنى انّك بخير، أنت والعائلة. سلّم على الكل!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: