ما بين الموت و القيامة: العيش في أيام السبت من الحياة

حصيلة العقوبات الشديدة على سوريا تثير تساؤلات حول الأخلاق والعدالة
مارس 25, 2021
زيادة الطين بلّة: فضيحة رافي زكريا وإغراء تبييض الخطيئة
أبريل 8, 2021

بقلم روبين داس

في خضم أسبوع الآلام وفقًا لتقويم الكنيسة البروتستانتية والكاثوليكية، دعونا نركّز على أحداث ذلك الأسبوع. متأملًا بأوقاته القاتمة من الشك واليأس، وصف داود، الشاعر والملك، بنبوة آلام المسيح بالتفصيل قبل بضعة قرون في مزمور 22: 1-2.

إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟

إِلهِي، فِي النَّهَارِ أَدْعُو فَلاَ تَسْتَجِيبُ، فِي اللَّيْلِ أَدْعُو فَلاَ هُدُوَّ لِي.

مع استمرار الوباء والأزمة الاقتصادية التي تلته في تدمير الحياة وسبل العيش والاقتصادات بأكملها، يتردّد صدى هذه الآيات لدى العديد من الذين فقدوا أحبّاءهم وغيرهم ممن دُفعوا إلى حافة الفقر. يجدون أنفسهم مغمورين باليأس والشعور بالهجران. أين الله؟ لماذا لا يتكلّم ويقول على الأقل إنّه سمع صراخي طلبًا للمساعدة وأنّني لست وحدي؟ أليس هو الله الذي أطعم الشعب العبري في البرية؟ فلماذا لا يعولني الآن؟ يبدو الأمر كما لو أنّ الله نفسه قد رفضهم.

أثناء مسيرتنا خلال أسبوع الآلام، نواجه سلسلة كاملة من المشاعر البشريّة. يبدأ الأمر بالنشوة فرحًا لدخول المسيح الظافر إلى أورشليم يوم أحد الشعانين. ومع تقدم أيام الأسبوع، يراودنا شعور متزايد من الرهبة. ثمة حزن وارتباك خلال العشاء الأخير، تليه أهوال الخيانة وآلام الجلد والصلب يوم الجمعة العظيمة. ثمّ يسود الصمت، حيث يصاب الجميع بالصدمة من عنف ما حدث للتو. الحزن يتجاوز أيّ شيء يمكن أن تعبّر عنه الكلمات. وفجأة، بعد يومين، حماسة صاخبة وصادمة وغير متوقعة عند القيامة.

بين الجمعة الحزينة وأحد القيامة يأتي يوم السبت – وهو يوم غالبًا ما نتجاهله بينما نحاول التقدم سريعًا إلى عيد الفصح. تسمّيه العديد من تقاليد الكنيسة “سبت النور” – وقت الانتظار. غير أنّه أكثر من مجرد انتظار عيد الفصح.[1] يوم نغفل عنه غير مدركين أنّ معظمنا لا يدرك أنّه يعيش في سبت الحياة. لقد غفل لاهوتنا عن أهمية الظلام والخيبة التي عاشها التلاميذ ما بين وقت الموت والقيامة، السبت بين الجمعة العظيمة وأحد الفصح.

في يوم الجمعة العظيمة الأوّل لم يكن لدى التلاميذ أي علم بأنه سيكون هناك أحد القيامة، علمًا أنّ يسوع أخبرهم بالتحديد عن قيامته. معلّمهم الذي أدركوا أنّه الله نفسه قد مات على الصليب. بموته تبدّدت الوعود بعالم أفضل وملكوت قادم بسبب الأحداث التي حصلت في بستان جثيمانى وكل ما تبعها، وبلغت ذروتها مع الأهوال واليأس عند الصليب. مات يسوع، الذي توقعوه أن يكون المسيح والملك. من الصعب تخيّل الظلمة والارتباك وتبدد الأحلام عند استيقاظهم صباح يوم السبت، ولا يمكن فهمها إلّا من قبل أولئك الذين واجهوا الموت المفاجئ والمريع والمأساوي لأحد أحبائهم. لم يفهموا، سوى لاحقًا، معنى الصليب كوسيلة للغفران من الخطايا والمصالحة مع الله خالقنا.

غير أنّ ما حدث فجر القيامة حوّل حياة التلاميذ إلى الأبد. كانت القيامة غير متوقعة، مذهلة، وغير معقولة. على الرغم من أنّهم في ذلك الوقت لم يفهموا معنى كلّ هذا، لكنّهم شعروا بحدوث أمر مذهل. لا يمكن حصر حماستهم ودهشتهم. على الرغم من أنّ البعض لا يزال يشك، وكان معظمهم مرتبكين ومحيرين وخائفين، إلّا أنّها كانت مسألة وقت قبل أن يدركوا حقيقة أنّ الموت قد غُلب، وأنّ أحلام العالم الجديد لم تمت، وأنّنا لسنا محاصرين بأجسادنا المريضة والمكسورة، وأنّ الشر لم يعد يستعبد الناس، قد أشعل التلاميذ. إن الإحساس باليأس الذي يتحدث عنه يوم السبت ببلاغة بصمته في قصة الخلاص ليس نهاية القصة. ثمة قيامة بعودة الله إلى مشهد القصة.

على عكس التلاميذ في يوم السبت الأوّل الذين شعروا أنّه تُخلّي عنهم، يتحدث الله إلينا اليوم ويعرّف نفسه في المسيح على أنّه معنا (عمانوئيل) ويقول إنّه لن يتركنا أبدًا أو يتخلّى عنّا. على عكس التلاميذ الذين لم يعرفوا أنّه سيكون هناك عيد القيامة، نعلم أنّ ثمّة مستقبلًا بسبب قيامة المسيح. في هذه المرحلة تبيت وعود عيد الفصح لحياة جديدة وبداية جديدة موضع تركيز بالنسبة لنا، وأنّه يومًا ما في النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع سيكون هناك عدالة وسلام – وعد ملكوت الله. نتطلع إلى اليوم الذي فيه تكون “قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.” (رؤيا ١١: ١٥)

يؤكّد داود، بعد صراخ ألمه ومشاعر الهجر (مزمور 22: 4-5)

عَلَيْكَ اتَّكَلَ آبَاؤُنَا. اتَّكَلُوا فَنَجَّيْتَهُمْ.

إِلَيْكَ صَرَخُوا فَنَجَوْا. عَلَيْكَ اتَّكَلُوا فَلَمْ يَخْزَوْا.

هذا ليس لاهوت النصر بل هو لاهوت الانكسار والتواضع العميق، حيث يجلب الله من رماد الحياة المشتعل بداية جديدة. يأتي الله إلى الأماكن المقفرة والقاحلة من حياة الناس ويجلب الحياة والإثمار والوفرة. بسبب المسيح، لا يُحكم علينا أن نعيش أيام السبت من حياتنا، ولكن يمكننا أيضًا أن نختبر القيامة في وسط ظروفنا. الله لا يصمت. هو الله الذي استجاب لصرخة الرحمة من بارتيماوس الأعمى المحكوم عليه بالفقر، “ماذا تريد أن أفعل بك؟” (لوقا 18 :41)

غير أنّ قصّة القيامة لا تنتهي عند هذا الحد. يضع يوجين بيترسون قوة القيامة وحقيقتها في سياق المكان الذي يعيش فيه الناس. يقتبس مزمور 116: 9 “أسلك قدّام الرب في أرض الأحياء”. عندما ننظر إلى مزمور 116، نرى أنّ أرض الأحياء مغروسة في بلد الموت، حين يتحدّث المرنّم عن “أفخاخ الموت”، “حبال الموت”، آلام القبر، وعن الضيق والحزن.

رجاء عيد الفصح هو أنّ الخراب واليأس ليسا ما يحدّد حياتنا. إنّ اختبار حقيقة قيامة المسيح من قبل فرد يفيض بعد ذلك إلى جماعة من أتباع المسيح. هذا ما نشهده في أيّ خدمة نقوم بها. يلخّص بيترسون كلّ هذا جيدًا.

القيامة تحدث في بلاد الموت. من الواضح أنّ أرض الأحياء ليست جنة لقضاء الإجازة. إنّها أشبه بمنطقة حرب. وهذا هو المكان الذي نتمركز فيه نحن كمسيحيين … لتأكيد أولوية الحياة على الموت، ولتقديم شهادة على الترابط والنفاس في الحياة كلّها، ولننخرط في ممارسة القيامة.[2]

روبن هو المدير التنفيذي لجمعية الكتاب المقدس الكنديّة وأحد الكوادر التعليميّة الرائدة في موديول التاريخ والسياسة والاقتصاد في برنامج الماجستير في العلوم الدينيّة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفري

[1] اللاهوتيون الذين كتبوا عن العيش في أيام السبت من الحياة هم دوغلاس جون هول The Cross in our Context: Jesus and the Suffering World)، آلان إي. لويس (Between Cross and Resurrection: A Theology of Holy Saturday)، ووالتر بروجمان (The Crucified God). يجلب لويس بعض المؤثرات إلى كتاباته حيث خسر معركته مع السرطان أثناء كتابته عن العيش في يوم السبت المقدس وعدم تجربة واقع يوم عيد الفصح والشفاء والحياة الجديدة الموعودة في ملكوت الله. مات مؤمنًا بوعد الشفاء والقيامة في المستقبل.

[2] Eugene H. Peterson, Living the Resurrection: The Risen Christ in Everyday Life (Colorado Spring, CO: Nav Press, 2006), 55.

اترك رد