الظلمة لا تتحمّل نور الحقيقة: تأمّلات في القتل الوحشي للقمان سليم

الحدود السياسية في الشرق الأوسط: شوكة في خاصرة الإرساليّة
فبراير 18, 2021
أستطيع
مارس 4, 2021

بقلم مرتان عقّاد

“والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه؛” “والظلمة لن تقوى عليه.”

هذه الكلمات هي جزء من شهادة يوحنا الرسول في إنجيله (1: 5) عن يسوع.

آنفًا هذا الشهر (في الرابع من شباط/ فبراير، والذي تزامن أيضًا مع ذكرى مرور 6 أشهر على انفجار مرفأ بيروت)، رجلٌ كان شاهدًا على الحقيقة وذلك لأنّه اقترب كثيرًا – وربّما أكثر من المقبول هذه المرّة – من تسليط وميض ضوء وسط الظلام الخانق الذي يقمع الهواء الذي نتنفّسه في لبنان.

تكثُر الاتهامات السياسيّة في وسائل الإعلام العالميّة لمن يُعتبرون مسؤولين عن جريمة القتل هذه. وبما أنّ هذه ليست مدوّنة سياسيّة، فسأمتنع عن توجيه أصابع الاتهام. وبدلاً من ذلك، أريد أن أتأمّل في الانعكاسات اللاهوتية والعملية لهذه المأساة.

قُتل لقمان سليم لأنّه سعى لتسليط الضوء وبعض الحقيقة على ماضي لبنان الغامض وتاريخه العنيف. أسّس منظمة “” في منزل عائلته بضاحية بيروت الجنوبية. مبادرة سليم، ووفاته لاحقًا، يشيران إلى مسؤوليتنا الجماعيّة. كشعب لبناني، أخفقنا في التصالح مع ماضينا، العارم بأعمال العنف بين الأشقّاء. إنّه مؤلم للغاية، وجارح أيضًا، وربّما يكون هناك الكثير من الظلام فينا الذي لا يزال يقاوم الألم الذي غالبًا ما يرافق الحقيقة.

قُتل لقمان سليم لأنّه سعى لتحقيق العدالة لأولئك الذين لم يُسمح لهم الرثاء على أحبائهم، حتى بعد ثلاثين عامًا. عمل سليم بلا كلل من أجل الكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين من فترة الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990). هناك من سيخسر الكثير إذا ظهرت الحقيقة. لأنّنا لم نتعامل مع ماضينا، فقد سمحنا لزعماء الميليشيات السابقين باحتلال مقاعد برلماننا والحكومات المتعاقبة، وأعدنا انتخابهم مرارًا وتكرارًا منذ تسعينيات القرن العشرين. لقد حدث هذا لأنّنا محاصرون في شبكة من الخداع والأكاذيب الطائفية، لكن هذا لا يعفينا من مسؤوليتنا الجماعيّة، باعتبار نظامنا في لبنان ديمقراطيًا – رغم ما يشوبه من شوائب وعيوب. لا بدّ من شعب يصدّق الأكاذيب الطائفية لكي يستطيع زعماء الطوائف ممارسة السيطرة عليهم بصورة فعّالة. وقد انخدع الكثير منّا نحن اللبنانيين وما زالوا يخدعوننا.

قُتل لقمان سليم لأنّه رفض “تطييف” لبنان. وتحدث ظاهرة التطييف عندما يتم تأطير مجتمع إيماني بأكمله في حزب واحد مهيمن. خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة، استخدم أمراء الحرب المسيحيون والمسلمون والدروز، على حدّ سواء، هذه الاستراتيجية المنهكة على نطاق واسع في البلد. الهدف هو أن يهيمن حزب طائفي واحد على مجتمعه الإيماني بأكمله ويسيطر عليه. وكلّ من يجرؤ على عدم الانحياز إلى الحزب المهيمن يُصنّف بالخائن والمنبوذ وغالباً ما يُقتل. ثمّة أمثلة عديدة على ذلك في التاريخ اللبناني الحديث، لكنّني سأتجنب تسمية الجماعات والضحايا بغية الابتعاد عن التحيّز السياسي.

إنّ آية يوحنّا 1: 5، التي اقتبستها في البداية، تحتوي على الفعل اليوناني katelaben، والذي يمكن ترجمته بطريقتين: “الظلمة لم تُدرِك النور” و”الظلمة لن تقوى على النور”. وأريد الاحتفاظ بكلا المعنيين. فيبعث هذا القول شعورًا بالقلق ولكنّه في نفس الوقت يحتوي أيضًا على رجاء موعود. القلق من أنّ هناك من يعيشون في ظلمات كثيرة لدرجة أنهم لا يستطيعون حتى البدء في فهم نور الحقيقة. والرجاء الموعود بأنّه بقدر ما يحاول الظلام حجب النّور، فإنّ الحقيقة في النهاية ستنتصر على الشر والأكاذيب. كتب يوحنا مقدّمة إنجيله كتأمّل في المسيح الكوني. إنّ توسيع هذا المفهوم ليشمل أشخاصًا تاريخيين آخرين لا يفضي إلى تفسير شرعي، وليس في نيّتي بالتأكيد تحويل سليم إلى شخصية مسيانية. من القليل الذي أعرفه عنه، فإنّ أيّ تلميح لهذا التشبيه سيجعله ينتفض في قبره! ومع ذلك، فمن المشروع تبنّي استعارة كتابيّة للتأمّل في مبدأ وديناميكية كونية عموميّة. للكلمات قوّة، ولطالما سعت الأنظمة القمعيّة إلى كتم الكلمة المنطوقة والمكتوبة بسبب قدرتها على تحدي سلطة هذه الأنظمة.

آمن لقمان سليم بقوّة الكلمة كأداة لكشف الحقيقة. لقد كان باحثًا ومؤرخًا ومحللًا سياسيًا. ومن خلال البحث والتوثيق والكتابة، كان يأمل في كشف الحقيقة، وأن تساهم الحقيقة بدورها في تحقيق المصالحة الوطنيّة.

يعلّمنا إنجيل يوحنا أن الكلمة الأبديّة –  Logos- تعطي الحياة، وأنّ الحياة هي النّور الذي يحتاجه كلّ الناس (الآية 4). على الرغم من أنّنا نتعامل هنا مع حدث علماني إلى حدّ كبير، إلّا أنّني أعتقد أنّه من المشروع استخلاص مبدأ أخلاقي من يوحنا مفاده أنّ الكلمة – حتّى الكلمة البشريّة المحدودة – المنطوقة بحق، قويّة في قدرتها على إسقاط النور والحقيقة على الخداع والظلام. إلّا أنّ هذه العملية تحرّر البعض، وتشكّل تهديدًا للآخرين. إذا قُبلت بتواضع وانكسار، يمكن أن تؤدي الحقيقة إلى المصالحة. لدينا نموذج قوي لهذا المبدأ في عملية لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا في تسعينيات القرن العشرين. غير أنّ في كثير من الأحيان لا يستطيع العالم أن يقبل الحقيقة؛ يرفضها وحتّى يبيت مستعدًا أن يقتل كي لا يسطع النور وسط ظلامه.

لو انتهى الإنجيل هناك، لكانت رسالته مشؤومة. تعتمد قدرة الضوء على التألق في الظلام على استعداد البشر لتلقيه وقبوله. على الرغم من أنّه يبدو أحيانًا أنّ الظلام سيتغلّب على النّور، إلّا أنّ وعد المعرفة والغلبة في يوحنا 1: 5 يؤكّد أنّ الظلام لا يمكن أن يفعل ذلك في النهاية.

وإذا حملنا الاستعارة بعدًا آخر، نرى في يوحنا المعمدان مصدر إلهام لنا للمشاركة في إسقاط النور على الظلمة من حولنا، باعتبار المعمدان مقدّمة للنور والحق اللذين سيأتي بهما يسوع (يوحنا 1: 6-8). غير أنّ تسليط الضوء على الظلام هو معركة قاسية. وإذا خاصّة يسوع لم تقبله، فلماذا أولئك الذين يأتون كشهود للحقيقة سيُقبلون من خاصّتهم؟

أكملنا هذا الشهر، مع اثنين من زملائي، تسجيل “شركاء البحوث الإجرائيّة”(Action Research Associates) ، وهي شركة مدنيّة جديدة ستستثمر طاقتها في البحث عن الجانب المظلم من تاريخ لبنان من خلال النهج السردي المتعدّد المناظير. بينما نتأمل في مقتل لقمان سليم، بعد ثلاثة أسابيع، دعونا نتشجّع على أنّه – رغم كونه ثمنًا باهظًا – يمكننا التمسك بالأمل في أنّ حقيقة الكلمة المنطوقة يمكن أن تتغلب على الأكاذيب والخداع، وسوف تتغلّب عليها. لكن هذا لن يأتي بدون تكلفة.

لن تأتي ولادة مستقبل جديد للبنان إلّا من خلال المصالحة الوطنيّة المجتمعيّة، ولا يمكن للمصالحة أن تبدأ إلّا من خلال الكشف عن الزوايا المظلمة من تاريخنا، حيث يتعلّم كلّ طرف سماع قصّة الآخرين وإسماع قصّته. صلاتي هي أنّ حياة لقمان وقتله لن يذهبان سدى. لقد ألهمتني قصّته وأراها نموذجًا لمن يرغب في رؤية لبنان يسير على طريق الشفاء والمصالحة.

مرتان عقّاد هو أستاذ مشارك في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة منخرط مع المجتمع المدني وفيه لاستكشاف طرق مبتكرة لفهم ماضي لبنان الإشكالي بهدف المساعدة في بناء مستقبل أكثر إشراقًا.

Leave a Reply