زيادة الطين بلّة: فضيحة رافي زكريا وإغراء تبييض الخطيئة

ما بين الموت و القيامة: العيش في أيام السبت من الحياة
أبريل 1, 2021
الإكليسيولوجيا الحركيّة: إعادة تقويم الكنيسة تأهبًا للحدود التالية
أبريل 15, 2021

بقلم وليد زيلع

في الآونة الأخيرة، تأمّل العديد من المفكّرين المسيحيين والقساوسة وقادة الكنيسة في المزاعم المروّعة التي طالت الراحل رافي زكريا حول سوء سلوكه الجنسي. وبغية مساعدة أتباعهم على استيعاب حقيقة الخطأ الذي حدث بحياة “العظيم”، سارع الكثيرون إمّا للدفاع أو الهجوم أو محاولة شرح ما حدث بأيّ وسيلة ممكنة. لا أنوي مناقشة الفضيحة هنا بل التأمّل في اللغة والعبارات الرئيسة التي استخدمها بعض القادة المسيحيين في هذا النقاش. سأركّز، على وجه الخصوص، على ثلاث مفاهيم تم استخدامها على نطاق واسع للحفاظ على صورة رافي وتخفيف تداعيات الفضيحة: (1) يمكن لبعض الأشخاص أن يكونوا عظماء؛ (2) بعض الخطايا ليست استثنائية لأنّنا كلّنا خطأة، (3) يمكن التخفيف من إخفاقات شخص ما بقيادته الملايين من الناس إلى المسيح. هؤلاء يزيدون الطين بلّة من خلال تخفيف حمأة الشر وتعزيز لاهوت خاطئ.

أولاً، مكانة رافي “الشهيرة” المقدّسة، والتي كانت محميّة جيدًا طوال حياته، قد تمّ الدفاع عنها جيدًا بعد وفاته. البعض، في محاولة لتبييض خطيئته، قد يصوّر رافي في إطارٍ ممجّد. لقد استُخدِمت تعبيرات مثل “العظيم” و”الدفاعي الأكبر” و”المبشّر الشهير” على نطاقٍ واسع وذلك لترفيع سمعة رافي. “العظمة” وفقًا لاستخدامها هنا هي مرادف لصفات مثل البراعة الفكرية، والشهرة العالمية، والإنجازات الأكاديمية، والقيادة الكاريزمية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. على الأرجح، أنّنا لا نشير إلى أولئك الذين وراء الكواليس، الذين ساهموا فيما يسمى بعظمته، بأنّهم يحظون بالقدر نفس من العظمة، ولن نفكر حتى في مناقشة أيّ منهم إذا تعثر وسقط أخلاقيًا. ما الذي يجعل أحد أعضاء جسد المسيح أعظم من عضو آخر؟ هل يصح كتابيًا مقارنة أعضاء الجسد الواحد؟

يستخدم بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس تشبيه الجسد الواحد للتأكيد على الأهميّة المتساوية لكلّ عضو من الأعضاء. تشمل أجزاء الجسد التي يجسّدها بولس في تشبيهه، الرأس (العين / الأذن) واليدين والقدمين، والتي يمكن القول إنّها تشير إلى منظور من الأعلى إلى الأسفل. بالنسبة لأهل كورنثوس، كان من الشائع أن نرى في هذا التشبيه إشارة إلى أولئك الذين يتكلّمون بألسنة الذين يعتبرون أنفسهم أعلى مكانة من أولئك الذين لا يتكلّمون. غير أنّ بولس يقول أنّ المظاهر خادعة. إذا أزال المرء عضوًا من الأعضاء لأنّه يبدو ضعيفًا، فلن يظلّ الجسم كاملاً. جميع الأجزاء ضروريّة ومتساوية بغضّ النظر عمّا قد يظنّه المرء. ببساطة، إنّ التطلّع إلى العظمة ينطوي على أن نصبح بحسب ما يريده الله لنا بغضّ النظر عن حجم العمل الذي نقوم به، بغض النظر عن اتساع دائرة تأثيرنا، وبغض النظر عن نطاق وظائفنا. “فَإِنَّ الْجَسَدَ أَيْضًا لَيْسَ عُضْوًا وَاحِدًا بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ… وَلكِنْ لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا عُضْوًا وَاحِدًا، أَيْنَ الْجَسَدُ؟ فَالآنَ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. لاَ تَقْدِرُ الْعَيْنُ أَن تَقُولَ لِلْيَدِ: «لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ!». أَوِ الرَّأْسُ أَيْضًا لِلرِّجْلَيْنِ: «لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكُمَا!». بَلْ بِالأَوْلَى أَعْضَاءُ الْجَسَدِ الَّتِي تَظْهَرُ أَضْعَفَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ. وَأَعْضَاءُ الْجَسَدِ الَّتِي نَحْسِبُ أَنَّهَا بِلاَ كَرَامَةٍ نُعْطِيهَا كَرَامَةً أَفْضَلَ. وَالأَعْضَاءُ الْقَبِيحَةُ فِينَا لَهَا جَمَالٌ أَفْضَلُ. وَأَمَّا الْجَمِيلَةُ فِينَا فَلَيْسَ لَهَا احْتِيَاجٌ. لكِنَّ اللهَ مَزَجَ الْجَسَدَ، مُعْطِيًا النَّاقِصَ كَرَامَةً أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يَكُونَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَسَدِ، بَلْ تَهْتَمُّ الأَعْضَاءُ اهْتِمَامًا وَاحِدًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ. فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا.” (1 كورنثوس 12: 14-27).

 

وضع رافي على منصّة التقديس للحفاظ على صورة العظمة واستعادة سمعته الضائعة أمر ضار للجميع، حتّى لرافي نفسه.

ثانيًا، استُخدمت عبارات مثل “كلنا خطأة” و”يمكن أن يحدث ذلك لأيّ منّا” وذلك على نطاق واسع لتقليل خطورة الاتهامات الموجّهة إلى رافي. لا شكّ أنّنا جميعًا خطأة، لكنّ الطريقة التي نستجيب بها للخطيئة هي التي تصنع الفرق. الفعل الأخير للخطيئة هو نتاج الجذور الكامنة تحته. للأسف، بعض الذين يدافعون عن رافي بحجة أنّنا “كلّنا خطأة” بالكاد يلامسون قشرة القضيّة عندما يكتفون بتسليط الضوء على الفعل الأخير للخطيئة، دون أيّ محاولة للتأكّد في الحقائق أو فهم طبقات الانحراف التي أدّت إلى الفعل نفسه.

تُظهر الاتهامات الموجّهة إلى رافي أفعالًا شرسة تمّ التخطيط لها جيدًا وتمّ تنفيذها بحنكة وتكشف أنّ هيكليته القياديّة أخفقت في توفير مساءلة حقيقيّة. من المضلّل للغاية وصف السلوك بعبارة شاملة مفادها “كلّنا خطأة”. هذا التعميم، للأسف، تبسيط مفرط ومدمّر. التوبة والاعتراف صفتان أساسيّتان لأتباع يسوع؛ إنّهما جزء من رحلتنا في النمو والمضي قدمًا في الإيمان.

من الواضح أنّ سلوكيات رافي لا تشير إلى شخص حاول التغلّب على الإغراء. لقد حافظ على سلطة متفلّتة لأكثر من عقد من الزمان ورفض أيّ نوع من المساءلة من خلال تجنب أولئك الذين تجرأوا على التشكيك في أفعاله. هذا التصرّف لا يتوافق مع شخص ملتزم بجعل نفسه عرضة لمساءلة الآخرين بشفافية؛ إسكات الضحية باتفاق عدم إفشاء عن مرتكب الخطأ لا يشير إلى شخص اعترف بخطيئة شخصية وتاب. لا، لسنا جميعًا خطأة بمعنى أنّنا نتشبّث بخطيئة لا نتوب عنها.

ثالثًا، تم تطبيق عبارات مثل “قاد الملايين إلى المسيح” و “لقد أثر على الملايين من الملحدين” إلى حدّ كبير لاستيعاب تداعيات التعدّيات التي ارتكبها رافي. حقيقة أنّ شخصًا ما قاد الملايين إلى المسيح هي أسطورة. لا أحد يستطيع أن يقود أيّ شخص إلى أيّ مكان. هذا عمل الرّب من خلال الروح القدس في قلوب الناس وعقولهم. كلّ واحد منّا، بمن فينا رافي، هو أداة يستخدمها الله لتحقيق إرادته في حياة الآخرين. هذا يعني أنّ الله يستطيع أن يمدّ يده إلى شعبه سواء بنا أو بدوننا. هل يمكن أن تدعي سكّة المحراث أنّها سبب وفرة الحصاد في الحقل؟ بالطبع لا. هذا هو العمل المتكامل للمزارع الذي استخدم المحراث لحرث الأرض في وقتٍ معيّن من السنة بالإضافة إلى أعمال زراعيّة أخرى. في الواقع وبكلّ بساطة، سكّة المحراث لا يمكن أن تتسبّب بإنتاج الحقل أو تعيقه. إذا كانت سكّة المحراث تعمل بانسجام مع خطّة المزارع، فسوف تساهم في الحصاد في نهاية الموسم. وإذا كانت خلاف ذلك فسيتم استبدالها بأخرى. على أيّ حال، سيحدث الحصاد.

يونان النبي العنيد هو مثال تقليدي. فيونان في عدم رغبته في نقل رحمة الرّب إلى الأمم، لم يمنع تنفيذ إرادة الله. سيصل الله إلى أهل نينوى بطريقة ما أو بأخرى، بدافع محبّته ورحمته واهتمامه، لقد أراد أن يعلِّم يونان درسًا ويستخدمه في إيصال رسالته. فمصير الشعب لا تحدّده أهلية يونان. لو ظلّ يونان متمرّدًا، لكان الله قد أرسل شخصًا آخر لإيصال رسالته. وفي نهاية المطاف، من خلال يونان، تابت المدينة بأكملها، و”قاد” أكثر من 120.000 شخص إلى الرّب. لدينا مسؤولية العمل في حقل الله ولكن ” فَمَنْ هُوَ بُولُسُ؟ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا، وَكَمَا أَعْطَى الرَّبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ”(1 كورنثوس 3: 5). “النجاح” أو “الشهرة” في الخدمة ليس من اختصاصنا، وبالتأكيد لا ينبغي أن يكون مخرجًا سهلاً لتبييض خطايانا.

لم يتوقّف مصير الأفراد الذين قادهم رافي إلى المسيح على مدى تواجد رافي أو مهاراته أو قوّته أو قدرته على الجدال. لا يتعلّق الأمر بـ “رافي”، بل يتعلّق بالرب الذي استخدم رافي ويستخدم آخرين لإعلان إرادته. إنّه عالم الله وحقله وخدمته وكنيسته، وهو وحده الذي سيقود الناس إليه.

لا أحد عظيم، فنحن جميعًا أعضاء متساوون في جسد واحد طالما أنّنا مخلصون للموهبة التي أوكلنا إليها الله. لا، لسنا جميعًا خطأة بنفس الطريقة، تلعب دوافعنا دورًا مهمًا في التمييز. لا أحد يستطيع أن يقود أي شخص إلى أي مكان، إنّه عمل الروح القدس. كلمات يسوع: ” كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَ”. لوقا 17 :10.

كلمات الرب وفقًا لحزقيال: ” مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أَضَلُّوا شَعْبِي قَائِلِينَ: سَلاَمٌ! وَلَيْسَ سَلاَمٌ. وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ يَبْنِي حَائِطًا وَهَا هُمْ يُمَلِّطُونَهُ بِالطُّفَالِ. فَقُلْ لِلَّذِينَ يُمَلِّطُونَهُ بِالطُّفَالِ: إِنَّهُ يَسْقُطُ. يَكُونُ مَطَرٌ جَارِفٌ، وَأَنْتُنَّ يَا حِجَارَةَ الْبَرَدِ تَسْقُطْنَ، وَرِيحٌ عَاصِفَةٌ تُشَقِّقُهُ.” (حز 13: 10-11).

ويلٌ لنا عندما نحاول تبييض الحائط المشوّه! فسوف يسقط.

وليد هو العميد الأكاديمي وأستاذ مساعد في العهد القديم في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

اترك رد