الإكليسيولوجيا الحركيّة: إعادة تقويم الكنيسة تأهبًا للحدود التالية

زيادة الطين بلّة: فضيحة رافي زكريا وإغراء تبييض الخطيئة
أبريل 8, 2021
الله سيدينهم: عن الجدل القائم حول ثقافة الإلغاء وعدم التدخّل بشؤون الخطاة
أبريل 22, 2021

بقلم وريك فرح وآلان هيرش

لا شكّ في أنّ الله كان يعلّمنا شتّى أنواع الدروس الجوهريّة خلال العام المنصرم. ربّما كانت جائحة كوفيد-19 الحدث الأكثر تخريبًا للكنيسة منذ الحرب العالميّة الثانية وقد أُجبر القادة المسيحيون في جميع أنحاء العالم على إعادة تقييم تفكيرهم وممارساتهم.

وقد أثيرت الكثير من التساؤلات المشكّكة بالاعتقاد الراسخ بأنّ الكنيسة شبه محصورة في شكل تعبيرها يوم الأحد أو في عطلة نهاية الأسبوع، وبما أنّ الملكة قد أسِرت في اللعبة، فقد اضطر القادة إلى معرفة ما يمكن أن تفعله قطع الشطرنج الأخرى على اللوح. وقد أجبرنا هذا بدوره على التأمّل في طبيعة الكنيسة باعتبارها شبكة حيّة وموزّعة ومتجسّدة – وهذا هو جوهر وميزة كلّ الحركات التحويليّة التي تغيّر العالم.

علاوة على ذلك، شهدت العديد من السياقات أزمات متراكمة فوق أزمات. إنّ المعدّل المتسارع لتراجع المسيحية في أمريكا وسنة الانهيار في لبنان ما هما إلّا مثالان لإثبات أنّ وتيرة التغيير تتزايد بسرعة في عالم اليوم.

بالنسبة للعديد من قادة الكنيسة والخدمة، فقد تضمّن ذلك إعادة فحص العادات والرغبات المترسخة بعمق. يبدو أنّ الله قد تولّى زمام إرشادنا لنتبنى ونتكيّف مع التعبيرات الكنسيّة الأحدث والأكثر مرونة. وبدرجات متفاوتة، يمكننا الآن أن نرى المجتمعات الكنسيّة تتصرّف كحركة، مثل استجابتها لاحتياجات المجتمع والتركيز بصورة أقل على مبنى الكنيسة. يقوم الرعاة، في كثير من الحالات، بعمل أكثر بكثير ممّا كانوا عليه قبل الجائحة.

ربّما يكون هذا طبيعيًا، لكن هذا التحوّل يحدث بسبب الأزمات وليس نتيجة إعادة النظر في اللاهوت. (ضع في اعتبارك أن جزءًا كبيرًا من العهد الجديد كُتِب أيضًا في سياق الأزمات!) علاوة على ذلك، ضمّ الله على نحوٍ هادئ 1٪ من العالم إلى ملكوته من خلال حركات زرع الكنائس وذلك في السنوات الخمس والعشرين الماضية، ومعظمهم من الهندوس والمسلمين. لدينا الكثير لنتعلّمه من هذه الحركات الرائعة ومن كنائسها.

بالنظر إلى أزماتنا الحاليّة وانتشار حركات التلمذة لنتعلّم منها اليوم، ربّما حان الوقت الآن لإعادة النظر في مفهومنا اللاهوتي للكنيسة.

للقيام بذلك، نقترح تمرينًا خياليًا وهو التفكير في تعبير جديد للكنيسة، ونعتقد أنّه كتابي. هذا التناقض بين “الإكليسيولوجيا النموذجيّة” و”الإكليسيولوجيا الحركيّة”، كما يظهر في القائمة أدناه، بعنوان “نقلة نوعيّة في عقليّة الكنيسة”، قد يُفهم على نحو أفضل بأنّه سلسلة متصلة وليس ثنائية مصطنعة وفقًا للطريقة التي يُطرَح فيها. الدمج ممكن، ويمكن أن يتعايش الاثنان بصورة خلّاقة مثل قطارين قادمين وذاهبين من المحطة نفسها. غير أنّ في بعض الأحيان يكون من المفيد حقًا التعلّم من خلال اختبار الاختلافات المفيدة.

غالبًا ما تكون الإكليسيولوجيا النموذجيّة الإرث الذي لا نتأمّل فيه في العالم المسيحي. نحن نصنع الكنيسة وفقًا لتقاليدنا وكما افترضناها دائمًا. وعلى خلاف ذلك، تنشأ الإكليسيولوجيا الحركيّة من فهمنا ليسوع الذي أُرسل إلى العالم (يوحنا 20 :21). المسيح هو رأس الكنيسة (كولوسي 1 :18)؛ إنّ حياته المرسلية المتمثلة في عبور الحدود بمثابة مورد ومثال لنا. هذا الاندفاع نحو المسيح الجامح من أجل الآخر ليس مجرّد خطوة أولى، بل هو إعادة توجيه على نحوٍ جذري تتغلغل في كلّ ما نفكّر فيه ونشعر به ونفعله.

الإكليسيولوجيا المتمحورة حول الراعي نموذج تجسّده الكنائس الإنجيليّة، ما يؤدّي عادةً إلى هيكلية سلطة من الأعلى إلى الأسفل. على النقيض من ذلك، تؤمن الإكليسيولوجيا الحركيّة أن حركات التلاميذ الذي يعدّون تلاميذ تبدأ من الرسل والأنبياء والمبشرين، ثم يدعمها الرعاة والمعلمون (أفسس 4: 11). علاوة على ذلك، لا ينبغي الافتراض أنّ الخدمة يقوم بها فقط خدّم يتقاضون أجرًا، ولكن لكلّ مؤمن دور يلعبه في حياة الكنيسة وهو معدّ للخدمة في الكنيسة والخدمة في العالم.

عادة، في الكنائس الإنجيليّة في جميع أنحاء العالم، “المنبر” هو محور الكنيسة. نظرًا لأنّ الجزء الأكبر من خدمة الأحد يتمحور حول المونولوج، فهذا يضمن أن يقوم الواعظ-المعلّم بمعظم التعليم! في المقابل، تعطي الإكليسيولوجيا الحركيّة الأولوية لتعلّم الكتاب المقدس على تعليم الكتاب المقدس. الفروق الدقيقة خفيّة ولكنّها عميقة. يُعبّر تعلّم الكتاب المقدس عن نفسه في عمليّة تشاركيّة متنوّعة حيث تتم مناقشة الكتاب المقدس واختباره وطاعته في المجتمع المسيحي والعالم أيضًا.

تعكس الكنائس اليوم بعضًا من أفضل الأفكار في النظريّة التنظيميّة، وهي مصمَّمة نموذجيًا حول الفعاليات والبرامج. مدرسة الأحد، مجموعة الشبيبة، مشاريع العمل المجتمعي، إلخ، جميع هذه الأنشطة لديها القدرة على أن تكون مؤثّرة. إلّا أنّ الإكليسيولوجيا الحركيّة لا تفترض أنّ التلمذة تحدث فعليًا في هذه الأنشطة. وبدلاً من ذلك، فإنّ التوجه الصريح نحو التلمذة هو ما يضع الأساس والمعايير لكلّ ما تفعله الكنيسة.

أين “تذهب إلى الكنيسة؟” هل فكّرت يومًا في هذا السؤال المبتذل وما يعنيه؟ إنّه يعني أنّ الكنيسة تتمحور حول مبنى ومكانٍ مخصّص للمقدّسات. في الواقع، يتوق البشر عالميًا إلى الجماليّة ويميلون إلى الأماكن المقدسة. غير أنّ الله لا يسكن في أماكن خاصّة بل بين شعب العهد الجديد (2 كورنثوس 6 :16). يمكن فهم الكنيسة على أنّها شبكة من الكنائس البيتية (باليونانية، oikos)، لا سيّما بالنظر إلى أنّ هذا النمط من الكنيسة ظهر في القرون الثلاثة الأولى في سياق عدائي وغير مسيحي وثبت أنّه متضاعف وتحويلي.

تميل الكنائس النموذجيّة إلى مقاومة التغيير (ولا تفعل ذلك إلا إذا اقتضت الظروف ذلك). بالطبع، لدينا إيمان عظيم يجب الحفاظ عليه ونقله (2 تيموثاوس 2: 2). غير أنّ في بعض الأحيان يكون من الضروري كسر التقاليد المؤسسيّة من أجل تحقيق رؤية الملكوت. وبهذا، فإنّ الكنائس الحركيّة تُقاد من المركز وليس من القمّة. هذه البنية “العضوية” والمسطّحة تمكّن التلاميذ العاديين من الابتكار وفقًا لاحتياجات السياق والفرص التي يقدّمها. على سبيل المثال، إذا قطعت رأس العنكبوت، يموت الكائن الحي. ولكن إذا قطعت قطعة من نجم البحر، فإن طبيعته اللامركزية تُنتج نجم بحر جديد بالكامل (انظر كتاب آلان الجديد، نجم البحر والروح The Starfish and the Spirit).

علاوة على ذلك، غالبًا ما تشكّل قضايا اقتصاديات الكنيسة، أي “لاهوت الكنسية الاقتصادي“، مثبطات ماليّة للتكاثر قد لا نكون واعيين لها. النموذج الاقتصادي الكنسي القياسي للكنائس الكبيرة التي تتمحوّر حول الرعاة ذات المقاعد الممتلئة كان ناجحًا في الغالب بين الأثرياء. غير أنّ هذا يخلق معيارًا باهظًا وغالبًا ما يكون من المستحيل تكراره. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السياقات الأكثر فقرًا التي تحاول تقليد نموذج الكنيسة الجاذبة هذا (والذي يتطلب نفقات ماليّة باهظة) يجب أن تطوّر اعتمادًا غير صحي على الموارد الماليّة الخارجيّة لضمان الاستمراريّة.

قد تكون الكنائس الحركيّة عرضة للمشاكل أيضًا، لكن لأسباب مختلفة جدًا. نظرًا لأنّ كلّ مؤمن يخدم بصورة مضحيّة في روح حركة التلمذة الديناميكية داخل شبكة الكنيسة الصغيرة، تزداد احتمالية تكاثر الكنيسة. عادة ما يكون تمرينًا مفيدًا أن يُناقًش هذا السؤال، كيف سيكون شكل التلمذة إذا كانت لديك ميزانية تقارب الصفر وليس هناك مبنى مخصص لاستخدامه؟ تكمن المفارقة في هذا السؤال في أنّ هذا كان وضع كنيسة القرن الأول (وليس مجرّد شيء تعيشه العديد من الكنائس اليوم بسبب الوباء). قد يبدأ ملكوت الله، مثل الخميرة، صغيرًا ويبدو غير مهم. لكن لدينا بالفعل الإمكانات الكامنة للانخراط في المخاطرة والازدهار – “كَمَا أَرْسَلَنِي الآب، أُرْسِلُكُم أَنَا…”

لقد غطّينا الكثير في هذا المنشور، والكثير مازال طيّ الكتمان. يهدف هذا المنشور إلى إثارة خيالك الرسولي عن طرق لإعادة تقويم الكنيسة لتعود إلى مركزية ربّنا ومؤسّسنا وأخلاقياته. إنّها دعوة لنتوب ونعيد التخيّل ونعيد التقويم ونتجدّد. في كلمتين اثنتين، دعونا “نعيد ليسوع” أنفسنا وتفكيرنا لتكون كنيسته حركيّة.

يتغيّر العالم بسرعة، ولن نعود أبدًا إلى “الوضع الطبيعي”. لكن هل نريد ذلك حقًا؟ لقد افتدينا وصمِّمنا لهذا التحدي، والعالم بحاجة ماسة إلى شفاء المسيح. لذلك دعونا نلتحق بيسوع وحركته. دعونا نواصل إعادة تقويم الكنيسة تأهبًا للحدود التالية.

واريك فرح يدرّس في مجال الإرسالية في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. يعمل مع One Collective وهو محرر الكتاب القادم Motus Dei: The Movement of God and the Discipleship of Nations .

ألان هيرش هو مؤلف كتاب “الطرق المنسية: إعادة تنشيط الحركات الرسوليّة” الذي تترجمه دار منهل الحياة إلى العربية.

اترك رد