هل نعيش حياة مزدوجة؟: الجنس والمال والسلطة والإنجيل

رمضان كريم: أفكار للمسيحيين حول الانخراط مع المسلمين في رمضان
مايو 6, 2021
عندما تريد المغادرة ولكنّك تحبّ البقاء: تأملات حول الإيمان والناس والمكان في عالم الهجرة
مايو 20, 2021

بقلم وسام نصر الله

كيف يمكن للأشخاص الذين يظهرون على أنهم روحانيون جدًا والذين يبدو أن الله يستخدمهم لجذب الناس إليه أن يشاركوا أيضًا بعمق في الخطيئة عمدًا؟ في حال كنت تتساءل من هم هؤلاء الناس؛ هم أنا وأنت. لقد بات هذا ممكنًا من خلال الممارسة الشائعة للحياة المزدوجة وانتشار ثقافات عدم المساءلة.

لقد أُضيف اسم رافي زكريا إلى قائمة طويلة من القادة الإنجيليين المؤثّرين الذين سقطوا. لم أكن أبدًا من المعجبين بثقافة المشاهير الإنجيليين، لكنّني كنت من محبي براعة رافي الفكريّة. إن الكشف عن سوء سلوكه الجنسي والمالي أثر فيّ بعمق. أنا، على غرار كثيرين آخرين ممن انخدعوا. غير أنّ هذه الفضيحة ليست عنّي. على عكس العديد من ضحاياه وأولئك الذين عرفوه شخصيًا، سأتجاوز الأمر في نهاية المطاف وستستمر الحياة … حتى الفضيحة التالية.

في حين أنّ فضائح الرعاة والوعّاظ المشاهير تتصدر الأخبار بين الحين والآخر، يبدو أنّ سوء السلوك الجنسي بين رجال الدين والخدّام مشكلة مزمنة. لكن دعونا لا ننخدع، فإنّ سوء السلوك الجنسي هو فقط الجزء الأكثر وضوحا من ثالوث “الجنس، والمال، والسلطة”. يمكن أن يشمل هذا الثلاثي إساءة استخدام أموال الخدمة، وإساءة استخدام السلطة، والتضليل، والتنمر والتلاعب بالناس، والنرجسيّة الروحيّة، والرغبة في ترويج الذات والتعظيم.

لا تقتصر هذه الفضائح الشائعة على التشهير باسم المسيح فحسب، بل إنّها تقوض أيضًا شهادة الإنجيل من خلال تضليل النفوس وإلحاق العار بأولئك الذين يحملون اسم المسيح. (اقرأ مدوّنة وليد زيلع لتتعلم كيف لا تتعامل مع هذه المشاكل).

غير أنّنا سنحاول في هذه المدوّنة أن نفهم كيف يمكن للأشخاص الذين يظهرون على أنهم روحانيون جدًا والذين يبدو أن الله يستخدمهم لجذب الناس إليه أن يشاركوا أيضًا بعمق في الخطيئة عمدًا؟ في حال كنت تتساءل من هم هؤلاء الناس؛ هم أنا وأنت. لقد بات هذا ممكنًا من خلال الممارسة الشائعة للحياة المزدوجة وانتشار ثقافات عدم المساءلة.

أوّل مشكلة منتشرة هي “التجزئة”. وفقًا لجمعية علم النفس الأمريكيّة، التجزئة “آليّة دفاعيّة يتم فيها عزل الأفكار والمشاعر التي تبدو متضاربة أو غير متوافقة مع بعضها البعض في مقصورات نفسيّة منفصلة وغير نافذة.” التجزئة سيف ذو حدين. يمكن أن يكون جيدًا عندما يمكّننا من إبعاد عقولنا عن الأشياء المسبّبة للتوتر، ولكنّه يصبح خطيرًا إذا ساعدنا على التعامل مع النفاق الأخلاقي من خلال إبقاء حياتنا السريّة منفصلة عن حياتنا غير السريّة. يمكننا أن نلتزم بإخلاص تجاه الله وفي الوقت نفسه نخطئ بلا رادع.

هذا ليس نتيجة قرار يُتخذ مرّة واحدة في لحظة زمنيّة محدّدة: إنّه سلسلة من القرارات الصغيرة كأن نقول “الله ليس ضيق الأفق” أو “أنا أستحق هذا” وغيرها من القرارات المماثلة. مع مرور الوقت، تفقس هذه البويضات وتحدث صراعًا داخليًا بين سلوكنا وإيماننا. لذلك إما أن نقلّل أهميّة الخطايا ووطأتها أو نجعلها طبيعيّة، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى التنميل الروحي والفتور أو نبدأ في التجزئة، ونعيش حياة مزدوجة من أجل الحفاظ على أفضل ما في العالمين.

عندما تحدث التجزئة الناجم عن الخطيئة، تصبح الخدمة أداة لتبرير الذات خاصة عندما نكون ماهرين فيما نفعله ونستثمر الكثير من الوقت والطاقة فيه. نعتقد أنّ التأثير الإيجابي الذي نحققه للملكوت يبرّر أو يوازن “الامتيازات” التي منحناها لأنفسنا على طول الطريق. أي نقول لأنفسنا، “أنا أستحق هذه المكافأة الصغيرة.” وكلما مرّ الوقت نعتاد على الأمر، وتصبح المقصورات أكثر رسوخًا وتزداد مهارتنا في خداع أنفسنا والآخرين.

إلّا أنّنا ننسى أنّه لا يمكننا إزالة الملح بمجرّد إضافة السكر. لا يمكن لأداء الخدمة الجيد أن يعفينا من خطايانا. يعلمنا الكتاب المقدس مرارًا وتكرارًا أنّه لمجرّد أنّ شخصًا ما مسحه الله أو حصل على موهبة خاصّة لا يعني أنه عمل الحقّ والصالح في عيني الله وأن طريقه لن ينتهي بالدمار. يمكننا أن نخدع أنفسنا ومئات الأشخاص الآخرين، لكنّنا لن نتمكّن أبدًا من خداع الله: “إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!” (متى 7: 23). بحكمته اللامتناهية، يبقى بإمكانه استخدام المواهب التي منحها لنا لمجده وهو يرفضنا كما كان الحال مع شاول وشمشون وكثيرين آخرين.

بماذا كان يفكر رافي زكريا؟ ماذا نحن نفكر؟ أنّنا ببساطة سوف نفلت من العقاب؟ مشكلتنا هي أنّنا لا نفكر في ذلك في المدى البعيد وننسى أنّ “الخطيئة ستأخذنا إلى أبعد ممّا كنّا نريد، وتبقينا أطول ممّا كنا نعتزم البقاء، وتكلفنا أكثر من [كنّا] ننوي أن ندفع …” اقتباس منسوب بشكل يثير السخرية إلى رافي زكريا.

لذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو ما إذا كان الإنجيل حقاً يحول شخصيّتنا إلى شبه المسيح بطريقة مرئية وملموسة. أم أنّ التحوّل يظهر فقط في كلامنا ومعرفتنا بالأمور الروحيّة؟

يقودني هذا إلى النقطة الثانية من هذه المدوّنة: ما نوع الثقافة التنظيميّة التي سمحت لرافي زكريا، وربّما تسمح لنا، بخداع الكثير من الناس لفترة طويلة؟ إنّها ثقافة تعطي الكاريزما أولويّة على الشخصيّة وترفع النتائج فوق المساءلة (في حالة رافي زكريا، اقرأ تقرير ديفيد فرينش). إنّها ثقافة تحوّل الرعاة والقادة إلى مشاهير لا يمكن المساس بهم. في الشرق الأوسط، تلعب العقليّة القبليّة والروابط الأسريّة دورًا مهمًا في تحويل الراعي إلى رأس القبيلة، وهي نوع مختلف من ثقافة المشاهير، ولكنّها تستحق مدوّنة بحدّ ذاتها.

تضع هذه النماذج المختلفة القادة على منصّة مرتفعة وتسلبهم هبة التعرّض للضعف، وتعزلهم عن الاعتراف وطلب المساعدة في مواجهة الصراعات الشخصيّة. بمعنى ما، لا تعمل المساءلة بدون ضعف.

في غياب ثقافة قويّة للمساءلة، ثمة خطر محتمل للوقوع فيما تسمّيه العلوم السياسية “صفقة الأوتوقراطية”. في سياق الكنيسة، قد يعني هذا اتفاقًا ضمنيًا بين الراعي والرعيّة حيث لا يتشارك الراعي اتخاذ القرار مع أحد مقابل عدم تدخله في الحياة الخاصّة لأعضاء الكنيسة طالما أنهم يتوافقون مع الأعراف الاجتماعية المقبولة بشأن أيام الآحاد. وبالتالي فإن عدم المساءلة يعمل في كلا الاتجاهين. يمكن تعزيز هذا من خلال الفهم الضعيف لدور الشيوخ في الكنيسة، حيث يتخذ الراعي معظم القرارات ويحمل معظم عبء المسؤولية الروحية (هل يجب أن نفكر في التحرك نحو نموذج الكنيسة الحركية؟).

الشفافية أمر مخيف ولكنّه ضروري، خاصة عندما يكون لدينا دور مرئي. غير أنّ الحقيقة هي أنّه كلّما حقّقنا المزيد من النجاح، أصبحنا أكثر عرضة للإغراءات. ويحذّرنا الكتاب المقدس من أنّ ” اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ” (إرميا 17: 9).

دعونا نستجيب للدعوة القائلة بأنّ “كُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَمَنْ يُودِعُونَهُ كَثِيرًا يُطَالِبُونَهُ بِأَكْثَرَ.” (لوقا ١٢ :٤٨)، لأنّه “لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا.” (كورنثوس الثانية 5 :10).

وسام هو مدير العمليات التنفيذيّة في الجمعيّة اللبنانيّة للإنماء التربوي والاجتماعي ويستمتع بالكتابة حول تلاقي الإيمان والسياسة والاقتصاد.

اترك رد