يسوع المسيح، المسلمون والقرآن: بحثًا عن بناء السلام الإعلاني

تسليع الإرسالية في العالم الإسلامي
أغسطس 22, 2019

بقلم مرتان عقّاد

صديقي بطرس يعتقد أنّ الصورة القرآنية ليسوع المسيح تتناقض تمامًا مع شهادة العهد الجديد. كان اسمه أحمد، لكن عندما اعتنق المسيحية بعد مشاهدة البرامج الجدلية حول الإسلام على شاشة التلفزيون، بات مقتنعًا بأنّه لكي يكون من أتباع المسيح عليه أن ينكر تمامًا عقيدته الإسلامية السابقة، حتّى عليه أن يتخلى عن الاسم الذي أُطلق عليه عند ولادته. وأدّت التداعيات الاجتماعية العنيفة التي عاناها نتيجة اتخاذه هذا القرار إلى الاقتناع بأنّ الإسلام شرّ مطلق ولا يتماشى على أي نحوٍ مع إله الكتاب المقدس ورسالته.

سامية، من ناحية أخرى، وبعد صراع داخلي طويل حول بعض الممارسات والسلوكيات الإسلامية في مجتمعها، والتي شعرت أنّها تتعارض بشدّة مع قيمها الشخصية، انغمست بدراسة مقارنة شاملة للكتاب المقدس والقرآن. نتيجة تأملها، في المقام الأوّل، في التصوير القرآني ليسوع شعرت أنّها منجذبة إليه، لدرجة أنّها قرّرت في نهاية المطاف أن تصبح تلميذة له. كانت منجذبة ليسوع أكثر من المسيحية، وكانت قادرة على التعبير عن هذا الولاء الحديث العهد دون أن تنفّر عائلتها. اليوم، هي وشقيقها، وأحد أبناء عمّها، جزء من مجموعة بيتية صغيرة لدراسة الكتاب المقدس. وهي مقتنعة بجميع العقائد المسيحية، لكنّها لا تشعر أنّها بحاجة إلى مهاجمة الإسلام أو القرآن لكي ترفع صورة يسوع في حياتها.

أمير هو صديقي الثالث. وهو يعتقد أنّ الكثير من الخلافات بين المسلمين والمسيحيين كانت تاريخيًا نتيجة لسوء الفهم. ووفقًا لاهتمامه بالموضوع، فإنّ الكتاب المقدس والقرآن لا يتعارضان مع بعضهما البعض في تصويرهما ليسوع. على الرغم من أنّه يعتقد أنّ بعض العقائد المسيحية كانت مفرطة تاريخيًا في إثباتها لشخص يسوع، إلّا أنّه لا يشعر أنّ هذا سبب كافٍ للصراع والاستبعاد المتبادل بين أتباع الديانتين. في الواقع، لا يحتمل كثيرًا بعض أتباعه المسلمين الذين يتحدثون ضد المسيحية والمسيحيين، وتمكّن أن يشكّل لنفسه مجموعة من الأصدقاء المتشابهين في التفكير. إنّه يعتبر نفسه من أتباع يسوع وواحد من تلاميذ، حتّى إنّه يرتاح بارتياد كلّ من الكنيسة والمسجد. يشعر بأنّه مدعو ليكون سفير سلام ويدعو المسلمين ليصبحوا تلاميذ يسوع.

سميّة، صديقي الرابع، مشاكسة للغاية عندما يتعلق الأمر بيسوع! وهي مقتنعة بأنّ الفهم المسيحي ليسوع مخطئ تمامًا وهي تتجادل دائمًا مع جيرانها الذين هم مرسلين مسيحيين. تستضيف مجموعة للدراسات القرآنية في منزلها، حيث تدرّب الشباب المسلم على كيفية النقاش بفعالية ضدّ العقائد المسيحية. بالنسبة لها، الإسلام هو الدين الحقيقي الوحيد والآخرون جميعهم مخطئون. تشعر أنّها مدعوة لدعوة الناس إلى الإسلام لخلاصهم من نار الجحيم.

جميع أصدقائي الأربعة يفهمون يسوع بصورة معيّنة تشكّلت نتيجة قراءتهم لكل من القرآن والكتاب المقدس. غير أنّ معتقداتهم ليست مجرّد نتيجة لفهمهم للكتب المقدسة. فهم يستمدون فهمهم أيضًا من تفاعل قراءاتهم مع تجارب حياتهم وسياقاتهم الاجتماعية. على الرغم من أنّ الأربعة جميعهم ولدوا في عائلات مسلمة، إلّا أنّهم نشأوا كأفراد في مجتمعات تلقت تاريخًا وسردًا بين الأديان المختلفة. تجد اللاهوتيات تعبيراتها في سياقات متعددة الطبقات، وعند تقاطع هذه الطبقات، تظهر التزاماتنا وولاءاتنا.

لا يقتصر التنوع بين المسلمين على المعتقدات حول يسوع، ولكن المعتقدات التقليدية المتعلقة به لا تؤدي بالضرورة إلى الولاء لتعليمه وحياته. على العكس من ذلك، فليس كل الذين يزعمون أنّهم تلاميذه هم تلقائيًا يتمسكون بالمعتقدات الكتابية المتعلقة بهويته الحقيقية.

يجب فحص الجدالات الإسلامية ضد المسيحية القائمة على آيات قرآنية حول المسيح في سياقها التاريخي الخاص، وأود أن أقترح أنّها كانت بدافع صراعات السلطة السياسية أكثر من الافتراضات اللاهوتية. وفي حين أنّ هناك أقل من اثنتي عشرة آية في القرآن يمكن استخدامها لبناء خطاب جدلي ضد المسيحيين، ثمة ما يقرب ضعف هذا العدد من الآيات الذي يثبت عظمة يسوع.

قد يتساءل المرء: لماذا يُعتبر المسيح شخصية محورية في القرآن؟ لماذا لم يُعلن محمد ببساطة عن رسالته التوحيدية، ودعا العرب الوثنيين إلى عبادة الإله الواحد، وترك التقاليد اليهودية المسيحية وشأنها؟ إذا شعر نبي الإسلام بالعبء، مثل إبراهيم، للانفصال عن دين آبائه، والخروج إلى أراضٍ جديدة استجابة لدعوة الله، لماذا فعل ذلك على حساب العهود السابقة الذي قال أنّه جاء استمرارية وإتمامًا لها؟

دفعتني دراساتي حول الآيات التي تُشير إلى المسيح في القرآن إلى الاعتقاد بأنّها لم تكن تهدف في المقام الأول إلى أن تكون جدلية، على الرغم من أنّها من منظور الماضي قد تبدو كذلك. في الواقع، لقد أصبحت مقتنعًا بأن ّسرد القرآن ينشأ بالمصادفة “على حساب” السرد المسيحي. وأعتقد أنّ الغرض الأساسي للسرد القرآني حول المسيح هو أن يكون برهان على نبوة محمد، وتحوّل بالمناسبة إلى رواية عكسية، ليس للأناجيل، ولكن لتفسير المسيحيين لنصوصهم.

إذا كان التاريخ الإسلامي المسيحي يميل إلى جعل مجتمعاتنا رهينة لأزمات صعبة وعنيدة، يبدو أنّ القرآن يدعونا بالمقابل إلى محادثة ديناميكية. غير أنّك قد تسأل ألم نقم بذلك بما فيه الكفاية؟ وما هي الأفكار التي لم نتداولها بعد؟ في اعتقادي أنّ كل جيل من المسيحيين والمسلمين له الحق – بل واجبه – في العودة إلى طاولة المحادثة بناءً على نصوصه المقدّسة.

تتغيّر الظروف التاريخية والسياسية باستمرار. المعرفة والدراسات تستمر في التطور. دائمًا ما تبحث وسائل الاتصال وأساليب التواصل البحث عن مستخدمين جدد مبدعين. إنّ الطبيعة الدينية للصراع العالمي، على الأقل في مظهره الحالي، هو في أوجه وقد نشعر بالإحباط الشديد والحزن. ومع ذلك، نظرًا لشدة الصراع، فذلك قد يقدّم أيضًا مستويات غير مسبوقة من الحوافز ضمن مجتمعاتنا.

إنّ النهج الأساسي الذي كنّا نعتمده تقليديًا في الحوار هو تأكيد الحقائق الافتراضية، مثل الثالوث وألوهية المسيح والتجسد والصليب. ولكن ماذا لو ركّزنا بدلاً من ذلك على أهمية “الوجود” والتضامن في المعاناة – والتجسد المتمثل بأنّ “الله معنا”؟ ماذا لو كان تركيزنا الأساسي في الحياة هو محبة الأصدقاء والأعداء، لدرجة أنّنا على استعداد أن نضع حياتنا من أجلهم – الصليب الباذل للذات؟ ماذا لو أصبحت هذه الحياة المتشبهة بالمسيح النافذة الرئيسة التي نرى منها ونقدّم من خلالها الطبيعة الإلهية؟

إنّ مجتمعاتنا المتعددة الأديان والمتعددة الطبقات تستدعي منّا اليوم أن نُقارب الحوار من زاوية الحياة التي نستثمرها بغية التوصل إلى الفهم، وليس من منطلق الحقائق المقترحة التي تسعى إلى تحقيق الانتصار الخطابي. نتائج هذا النهج لن يكون أقل اقتراحًا للحقائق وأقل صدقية من الأخير. في الواقع، سيكون أكثر وفاءً لنهج الله تجاه الإنسانية في يسوع، من المهد إلى الصليب. كان إعلانه عبارة عن رحلة تمتزج فيها الحياة والمحادثة معنا – الوجود وبذل الذات الذي يجب أن يصبح جوهر بناء السلام الإعلاني الخاص بنا. يفتح القرآن، بشهادته الغنية والمتنوعة عن يسوع، بابًا فعالًا للمحادثات. عندما تتجذر محادثتنا في حياة قوية على خطى يسوع، وتندمج مع نسيج الشاهد الكتابي، سيتعزّز الحوار اللاهوتي مع المسلمين ويبيت أكثر فائدة.


ملاحظة:

  • هذه نسخة منقّحة لمدوّنة نشرها معهد دراسات الشرق الأوسط في 5 آيار / مايو 2016.
  • ستأخذ مدونة معهد دراسات الشرق الأوسط عطلة الصيف السنوية خلال شهر أيلول/سبتمبر. غير أنّنا ندعوكم للانضمام إلينا عندما نعود في شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر مع مشاركات جديدة محفّزة من فريق معهد دراسات الشرق الأوسط.

اترك رد